العَلْمانية: حقائق وأكاذيب

يعتبر مصطلح “العلمانية” من أكثر المصطلحات العربية إثارة للجدل. ويعود ذلك إلى أمور عدة منها تعددية المصادر والترجمات وحساسية هذا الموضوع لارتباطه الوثيق بالدين. وربما السبب الأكبر في ذلك هو سوء الفهم غير المقصود أحياناً والمقصود في الأحيان الأخرى.

لقد عانى هذا الفكر من السمعة السيئة عند بعض الأوساط، فأُلصِقت به تهمة الإلحاد من جهة، ومن جهة ثانية اعتبِر مصدراً للفساد الذي ساد في ظل بعض الأنظمة الديكتاتورية.

سأحاول في هذه المقالة أن ألقي الضوء على منشأ وتطورهذا الفكر لما يمثله من طموح لشريحة هامة من الشعوب العربية.

لمحة تاريخية

المادية والمثالية

“المادة” في بدايات الوعي الانساني هي كل ما يمكن إدراكه بواسطة إحدى حواس الانسان الخمسة وهي اللمس والسمع والبصر والذوق والشم. فإذا كان بالإمكان الإحساس بالشيء بواسطة أحد هذه الحواس أصبح موجوداً. وإذا لم يحس به المرء فهو غير موجود. وأُطلِق على الفلسفة التي تؤمن بأن المادة هي أساس كل شيء في الحياة اسم “المادية materialism”.

لكن منذ وجد الانسان واجهته مشاكل عدة في تفسير بعض الظواهر التي تصادفه. وفي كثير من الأحيان عجز الفكر المبني على المحسوسات عن ايجاد تفسير صحيح ومنطقي لهذه الظواهر، مما أدى إلى نشوء فكر ما وراء الطبيعة الذي يؤمن بوجود قوة خارجة عن الطبيعة و”غير محسوسة” تتفاعل مع هذه الطبيعة وتؤثر فيها.

في البدء حاول الانسان أن يتواصل مع هذه الظواهر والقوى بشكل مباشر عن طريق تحويل بعض المكونات المحسوسة إلى آلهة. فأصبح يعبد الأشياء المحيطة به كالشمس والقمر والحيوانات وغيرها، ويقدم لها القرابين علها تخفف من تأثيرها السلبي أو تجعل تأثيرها ايجابياً. ومن ثم دخل السحر والشعوذة وعالم الأرواح في أشكال الفكر والعبادة.

وبرزت الرموز الدينية كالطواطم والأصنام التي أصبحت تمثل التجسيد المحسوس للشخصية الإلهية غير المحسوسة. ومع الزمن نشأت الديانات السماوية التي تؤمن باله واحد (غير محسوس) يتحكم في سيرورة الكون وهي الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية.

أُستُخدِمت العديد من التسميات لوصف الفلسفة النقيضة للمادية، إذ كانت تختلف في كل مرحلة تاريخية. واستقر عدد من الفلاسفة على مصطلح المثالية idealism الذي يقول بأن الروح أو العقل يسبق المادة. لكن لأن المقال في الغالب يتحدث عن مرحلة ما بعد نشوء الديانات السماوية، سأستخدم أحد المصطلحات الخاصة بها مثل “الروحانية” أو”الدينية” أو “السماوية”

فمنذ بدء الخليقة وجد ضمن المجتمعات البشرية نوعين من المفكرين: الماديين والروحانيين. وهذا الإختلاف أدى إلى صراعات دائمة بين أنصار الفكرين. وفي بعض الأحيان أدى إستقطاب البشر بين هذين التيارين إلى نشوب الحروب وقيام الثورات.

السلطة والدين

تنوعت أشكال العلاقة بين السلطات الدنيوية (السياسية) والروحانية (الدينية) منذ القبائل البدائية. في بعض الأحيان كان زعيم القبيلة هو القائد الروحي للقبيلة. وفي أحيان أخرى كان هناك فصل نسبي بين السلطتين. وكذلك الحال عندما نشأت الدول. فمنها ما اعتمد على السلطات الروحية لصياغة قوانينها ومنها ما اعتمد على القوانين المدنية بعيداً عن تأثير رجال الدين وإن كانت تتأثر بالأخلاق الدينية العامة.

في بعض الحالات، كان الدمج بين السلطتين متمثلاً بشخصية الحاكم وحاشيته الذين أصبح انتقادهم أشبه بانتقاد الآلهة نفسها. وأصبح هناك ما يشبه العداء الدائم بين السلطات التي حاولت التمسك بالتقاليد للحفاظ على مصالحها وبين أصحاب الفكر التنويري الذي قد تؤدي آرائهم إلى تقليب الرأي العام ضد الحكام. فحاربت هذه السلطات كافة اشكال العلوم وخاصة الفلسفة.

وبرز عبر التاريخ عدد من الفلاسفة الذين انتقدوا هذه السلطات والأفكار السائدة، ودفع عدد منهم حياته ثمناً لهذا الانتقاد، بحجة أنهم يتعدون على الآلهة. ولعل أبرز هؤلاء المنتقدين التاريخيين هو الفيلسوف الإغريقي سقراط الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وقد حُكِم عليه بالإعدام عن طريق تناول السم بعد أن انتقد حكام أثينا. وكانت من بين التهم الموجهة ضده تهمة التعدي على الآلهة وعدم احترامها.

كما حورب العلماء الذين اصدروا نظريات علمية تتناقض مع ما نصت عليه الشعائر الدينية. ولعل أشهر مثال على ذلك العالم البولندي الأصل كوبرنيكوس الذي عاش في القرن السادس عشر للميلاد حيث افترض أن الأرض تدور حول الشمس، وكان هذا يتناقض مع تعاليم الكنيسة التي منعت كتبه من التدريس.

وطالب عدد من الفلاسفة بإعطاء حرية أكثر في مجال التعليم وحاولوا فصل تعليم الدين عن مدارسهم وكان من أشهرهم الفيلسوف الإغريقي أبيقور الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد والشاعر الروماني لوكريتيوس الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد.

ولعل أشهر الفلاسفة العرب الذين طالبوا بفصل الفلسفة عن الشريعة الإسلامية هو الفيلسوف العربي الأندلسي ابن رشد الذي عاش في القرن الثاني عشر للميلاد. ولقد حورب هو ايضاً وحُرقت كتبه وحُكم عليه بالنفي. وكان ابن رشد هو صاحب الفضل الأكبر في إعادة ظهور ونمو هذه الأفكار في أوروبا. لقد أطلقو عليه لقب ” المؤسس الأب للفكر العَلماني في أوروبا الغربية”.

الكنيسة البروتستانتية و”عقيدة المملكتين”

ظلت تتفاوت درجة تأثير الدين على الأنظمة السياسية إلى أن بلغت الذروة في القرون الوسطى، حيث سيطرت الكنسية على حكومات أوروبا بشكل شبه كامل. وأثارت ممارسات الكنيسة حفيظة الكثيرين من الأوروبيين. كما أصبح رجال الدين المستبدين يمارسون الفساد السياسي والأخلاقي باسم الدين. وعلى أثر هذه الممارسات تنامت حملات الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة.

ويعتقد بعض المؤرخين بأن حركة الإصلاح التي قام بها القس الكاثوليكي الألماني مارتن لوثر في القرن السادس عشر والتي أدت إلى نشوء الكنيسة البوتستانتية هي التي وضعت حجر الأساس لمبدأ فصل الدين عن الدولة. ففي البدء، انتقد مارتن لوثر ممارسات رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية. وعلى سبيل المثال، رفض مبدأ أن يدفع المخطئون مالاً للكنيسة للغفران عن ذنوبهم.

ثم أطلق مارتن لوثر “عقيدة المملكتين” التي تعتمد على مبدأ أن الله يحكم العالم كله، لكن بطريقتين. بيده اليسرى يحكم المملكة الدنيوية وبيده اليمنى يحكم المملكة السماوية. يختلف رجال الدين في تفسير هذه العقيدة لكن أحد هذه التفسيرات يصب في صالح فصل الدين عن الدولة وهو يقول بأن على الكنيسة ألا تحكم المملكة الدنيوية وعلى الأمراء والحكام أن لا يحكمو المملكة السماوية.

وكان المُشَرِّع الأمريكي جيمس ماديسون من بين أولئك الذين آمنوا بهذا التفسير للعقيدة البروتستانتية. وهو يعتبر من أكبر المؤيدين لمبدأ فصل الدولة عن الكنيسة. وحين شارك بكتابة الدستور الأمريكي بعد الإستقلال دافع بقوة عن هذا المبدأ حتى أصبح جزءً لا يتجزء من القانون الأمريكي.

عصر التنوير Age of Enlightenment

تميز هذا العصر الذي امتد من النصف الثاني من القرن السابع عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر بصعود العديد من المفكرين والفلاسفة الذين حملوا على عاتقهم مهمة إصلاح المجتمع. ودعَوا إلى استخدام العلم والعقل والمنطق كمصادر للمعرفة، والابتعاد عن الفكر الأصولي والمعتقدات والإيمان. وكانت الكنيسة الكاثوليكية هي هدفهم الأساسي ومحط إنتقاداتهم.

ومن بين المفكرين الذين برزوا في ذلك الوقت كان البريطاني لوك والفرنسيان فولتير وروسو والأمريكيون ماديسون وجيفرسون وفرانكلين. وأكد هؤلاء على أهمية العلم والمكتشفات العلمية لدحض الأفكار التقليدية السائدة في تلك الفترة. ولم تخلُ كتاباتهم من نقد صريح للسلطات الدينية.

وربما أهم مبدأ من المبادئ التي نادوا بها أنصار هذه الفلسفة هو المساواة بين جميع البشر في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن كونهم من الناس العاديين أو من النبلاء أو من رجال السياسة أو من رجال الدين، ومهما كانت انتماءاتهم الدينية أو العرقية .

الثورتان الأمريكية والفرنسية

انتشرت فلسفة التنوير بشكل سريع في كل أرجاء أوروبا وحصلت على دعم كبير من عدد من الحكام الأوروبيين الذين كانوا على النقيض مع سياسات الفاتيكان وخاصة في أوروبا الشمالية والشرقية. لكن أول اعتراف حكومي بمبادئها جاء مع الثورتين الأمريكية والفرنسية.

بعد الثورة على الإمبراطورية البريطانية، كان إعلان الاستقلال الذي تبناه الكونغرس الأمريكي في 4 تموز (يوليو) 1776 هو أول وثيقة رسمية حكومية تعلن أن جميع البشر قد خلقوا متساويين وأن كل انسان له كل الحقوق، المعطاة له من الخالق، بالحياة والحرية والسعي إلى السعادة. وكان المفكر التنويري توماس جيفرسون هو من كتب هذا الإعلان بمساعدة بنجامين فرانكلين وجيمس ماديسون وغيرهما من التنويريين.

وذهبت الولايات المتحدة الأمريكية خطوة أبعد من ذلك في ما يخص الدين حين أضافت بعض التعديلات على دستورها في 21 من شهر آب (أوغسطس) عام 1789. وتضمنت هذه التعديلات وضع قانون يمنح الحريات الدينية لكل مواطنيها. فحسب الدستور الأمريكي يحق لكل انسان أن يمارس أي دين يحلو له وأن يغير دينه إذا أحب. كما يحق له أن لا يؤمن بأي دين إذا شاء. ومنعت الدولة من التدخل في الشؤؤون الدينية للأفراد أو من انشاء أديان جديدة. وأعطت هذا الحق بشكل كامل إلى الأفراد. فهم يكوّنون الـجماعات الدينية كما يحلو لهم.

ولحقت الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 بشقيقتها الأميركية وأصدرت في 26 آب (أوغسطس) من نفس العام 1789 إعلان حقوق الناس والمواطنين. ولم يختلف هذا الإعلان في فحواه كثيراً عما ورد سابقاً في إعلان الإستقلال الأمريكي وتعديلات الدستور اللاحقة. وركز على مبدأ المساواة الكاملة بين المواطنين وعلى حرياتهم الكاملة ومن ضمنها الحريات الدينية.

انتشرت هذه المبادئ في دساتير أوروبا الواحد تلو الآخر. وانتشرت في كل البلدان الواقعة تحت الإحتلالات الأوروبية عبر العالم في العقود اللاحقة. حتى وصلت إلى الدول العربية والإسلامية التي وقعت تحت سيطرتهم حيث تخلت عدد منها ولو جزئياً عن قوانين الشريعة الإسلامية. كما دخلت هذه الأفكار مصر مع الحملة النابوليونية وكان محمد علي باشا من أكبر المناصرين لها.

ووصلت حتى إلى البلاط العثماني في منتصف القرن التاسع عشر حين بدأت السلطنة في إقرار قوانين إصلاحية للتحول من السلطة الدينية المطلقة إلى مبدأ فصل الدين عن الدولة، إلى أن جاء أتاتورك وأعلن الفصل الكامل بينهما بعد الحرب العالمية الأولى وألغى الخلافة الإسلامية.

منشأ مصطلح العَلْمانية

في البدء ظهرت ثلاثة ترجمات متشابهة للمصطلحات الأجنبية وهي العِلمانية والعالَمانية والعَلَمانية. ثم فيما بعد دُمِجت جميعها خطاً في مصطلع واحد وهو العَلْمانية. لكن أصول هذه الترجمات وفحوى معانيها كانت مختلفة عن بعضها البعض.

وقد وُلِدت هذه المصطلحات في أوروبا بعد الثورات الأوروبية وانتقلت إلى الأوساط الثقافية العربية في القرن التاسع عشر.

العِلْمانية (مع كسر العين وسكون اللام): من (العِلم) ومصدرها بالإنجليزية Scientism وبالفرنسية scientisme

برز هذا المصطلح نتيجة للثورة العلمية التي اجتاحت أوروبا بين القرنين السادس عشر والثامن عشر. فبعد قرون من الحروب المستمرة في العصور الوسطى جاء عصر النهضة ليمهد الطريق أمام علماء أوروبا ليبدؤوا حملة الإكتشافات الكبرى. وتطورت العلوم بكافة أشكالها، فبرز كوبرنيكوس ونيوتون وغاليليه وغيرهم.

وجاءت الإكتشافات العلمية لتكشف محدودية الفكر الديني في قدرته على التطور مع العصر. فالعلوم لا تتوقف عن التقدم والتطور، بينما كان الدين محكوماً بتقاليد وشرائع وضعت قبل مئات السنين.

ومن أهم النقاط التي تركّز عليها فلسفة العِلمانية هي نقطة أن العلوم (الطبيعية) هي المصدر الحقيقي والوحيد للمعرفة. وبهذا التعريف فإن العِلمانية تفصل نفسها عن كل الأفكار الغيبية ومن ضمنها طبعاً الأفكار الدينية. ولهذا السبب يربط الكثيرين بين العِلمانية والإلحاد.

العالَمانية (مع فتح اللام): من (العالًم) أي (عامة الناس) ومصدرها بالفرنسية laïcité وبالإنجليزية laicism وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية lāicus واليونانية λᾱϊκός واللتيين تعنيان بالإنجليزية layman أو (شخص عادي)
والمقصود هنا شخص من عامة الناس أو غير المنتمي لطبقة الكهنوت.

كان أول ظهور لكلمة (عالَماني) باللغة العربية في قاموس لغة فرنسي عربي من تأليف المصري الياس بطقر عام 1828، حيث ترجم كلمة laïque الفرنسية إلى (عالَماني). وهي ترمز إلى الناس أو العالَم البشري.

أما أول استخدام لكلمة laïcité كمصطلح سياسي في فرنسا كان في عام 1871 حين طالبت الجموع بحذف التعاليم الدينية من مناهج المدارس الإبتدائية.

العَلَمانية (مع فتح العين وفتح اللام): من (عَلام) باللغة المصرية القديمة وتعني (الدنيا) ومصدرها بالإنجليزية Secularism وبالفرنسية Sécularisme من الكلمة اللاتينية saeculum التي تعني العالم الدنيوي (كنقيض للعالم السماوي).

أول من استخدم هذا المصطلح هو الكاتب البريطاني جورج هوليوك عام 1851. وكان يسعى من خلاله إلى إقامة نظام اجتماعي مستقل عن الكنيسة. وهو لم يأتي بهذه الفكرة لنقض أو رفض الأفكار المسيحية. بل ركز على مسألة أن العلمانية هي مرتبطة بالحياة الدنيا بعيداً عن المفاهيم الدينية المرتبطة بالحياة الآخرة.

من حيث التطبيق، كلا المصطلحان الأخيران (العالمانية والعَلمانية) يرمزان إلى فصل الدين عن الدولة. ويصرّان على منع تدخل الدولة في الدين وكذلك على منع تدخل الدين في الدولة، وخاصة منع تدريس الدين في المدارس العامة.

لكن هناك فارق أساسي في فحوى كل مصطلح. فالمصطلح الفرنسي laïcité يستمد قوته من الشعب أو عامة الناس. هذه الجموع التي قامت بثورتها ضد السطات الملكية والدينية معاً. فهو ناتج عن حراك شعبي. بينما المصطلح الإنجليزي Secularism مستوحى من الحياة الدنيا (على عكس الحياة الآخرة) وهو أقرب إلى المفهوم الكنسي للعَلمانية وقريب من عقيدة مارتن لوثر للمملكتين، وهو غير مرتبط أو ناتج عن حراك شعبي. فالمصطلح الأول يحوي مضمون الثورة الشعبية على علاقة الدين بالدولة بينما يتضمن المصطلح الثاني شيء من الإصلاحية لعلاقة الدين بالدولة.

العَلْمانية (مع فتح العين وسكون اللام)

ومع الزمن دُمِجت هذه المصطلحات الثلاثة خطاً لتشكل مصطلحاً واحداً وهو العَلْمانية وأصبح الأكثر شيوعاً. رغم الفارق في كيفية حدوث التغيير بين المصطلحين الثاني والثالث (العالَمانية والعَلَمانية) فهما يعبران عن فكرة واحدة وهي فصل الدين عن الدولة. أما إقحام المصطلح الأول (العِلمانية) معهما فهو إجحاف بحق المصطلحات الثلاثة.

لا علاقة للفلسفة العِلمانية، التي تقول بأن العلوم الطبيعية والبراهين العلمية هي مصدر المعرفة الأساسي، بمبدأ فصل الدين عن الدولة لا من قريب ولا من بعيد. أما عملية دمج المصطلحين الأخيرين فهي أقرب للواقع ويجب أن يقتصر تعريف مصطلح العَلْمانية عليهما فقط.

وعلى هذا الأساس لا يمكن الخلط بين النظام العَلماني والإلحاد، لأن العَلمانية لا تتطرق لمسألة وجود الله. بل على العكس، فهي تعطي الحرية الكاملة للشعوب بأن تؤمن بالله كما تقره الأديان التي يتبعوها.

مبادئ العَلمانية

تقوم أهم مبادئ العَلمانية على ما يلي:

1- لا يكون للدولة دين رسمي ولا تشجع على أي دين ولا تمنع اي دين.
2- يكونوا جميع المواطنين متساوين أمام القانون بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية.
3- يُمنع التمييز بين المواطنين عل أساس الدين في مجال العمل والتعليم وغيرها من مجالات الحياة.
4- يحق لأي مواطن الإنتخاب أوالترشح لأي منصب رسمي في الدولة (حتى منصب رئيس الدولة) مهما كان دينه.
5- يحق للفرد الإنتماء إلى اي دين وممارسة شعائره ويحق له أن يتركه متى شاء أو يتبع غيره.
6- يحق للفرد أن لا يؤمن بأي دين إذا شاء.
7- يحق للأفراد تشكيل أديان جديدة.
8- لا تدعم الدولة مادياً أي مؤسسة دينية.
9- يُمنع تعليم الدين في المدارس.

(تختلف الدول العَلمانية في درجة تطبيق بعض هذه المبادئ ولكل دولة خصوصيتها. فعلى سبيل المثال، بعض الدول ما زالت تسمي ديناً للدولة رغم تبنيها للعَلمانية)

العَلمانية واللادينية

هناك فرق أساسي بين العَلمانية كما طبقت في العالم الغربي واللادينية في التجربة الماركسية اللينينية كما طبقت في الإتحاد السوفياتي خلال القرن العشرين.

العَلمانية في العالم الغربي قامت على مبدأين متبادلين وهما عدم تدخل الدين في الدولة وأيضاً على عدم تدخل الدولة في الدين. وكان الغرض من هذا ليس فقط حماية الشعب من السلطات الدينية بل أيضاً حماية الأديان من تدخلات الدولة. ويعتقد الكثير من المراقبين أن الأديان في العالم الغربي قد انتعشت وترعرعت في حضن العلمانية.

أما في الإتحاد السوفياتي فقد رفضت الدولة الدين كلياً ووضعت قوانين ضد الأديان وممارستها. وهذا يعارض مبدأ العلمانية تماماً. إن إجبار الشعب على رفض الأديان جميعاً هو شكل من أشكال الحكم التعسفي ولا يختلف عن إجبار الشعب على الإنتماء إلى دين معين. كلاهما وجهان لعملة واحدة وهي الأنظمة العقائدية الديكتاتورية.

العَلمانية والديكتاتورية

إن من أكثر الأخطاء الشائعة هو ربط الممارسات الخاطئة لبعض الديكتاتوريات بالفكر العَلماني والوصول إلى نتيجة أن العَلمانية هي أصل البلاء. وهذا خطأ فاضح ينتج عن الخلط ما بين الحريات السياسية والحريات الدينية.

الديكتاتوريات العَلمانية عادة ما تكون مستقلة عن المؤسسات الدينية وفي نفس الوقت تعطي حريات دينية واسعة لشعوبها. لكن ذلك يكون في أغلب الأحيان على حساب الحريات السياسية بما يشبه المقايضة. فهذه الحكومات تعطي الشعب الحريات الدينية وغيرها من الحريات الشخصية والإقتصادية مقابل التخلي عن الحريات السياسية. إن همّ الديكتاتوريات هو البقاء في السلطة بأية ثمن.

العَلمانية تحدد علاقة مؤسسات الدولة بالمؤسسات الدينية فقط ولا تؤثر لا من قريب ولا من بعيد على شكل الحكم إن كان ديمقراطياً أو ديكتاتورياً، جمهورياً أو ملكياً. بل إن هناك الكثير من الأمثلة التاريخية القديمة والحديثة عن ديكتاتوريات دينية مارست باسم الدين ما هو أبشع بكثير مما مارسته بعض الديكتاتوريات العلمانية.

العَلمانية والأخلاق

ومن أكبر المشكلات التي تواجهها العَلمانية هي العلاقة مع الأخلاق العامة. فالمتدينون يعتقدون أن الأخلاق هي محصورة بالأديان. وإن فصل الدولة عن الدين ومنع تدريس الدين في المدارس يشجع على الفساد والرزيلة بين الناس.

هذه مقولة خاطئة جداً. فالدين ليس الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأخلاق في المجتمع. بل إن هناك الكثير من الفلسفات الانسانية التي لا تمت بصلة للأديان تدعو إلى الأخلاق الحسنة نفسها التي تدعو إليها الأديان. ويتم تعليم هذه الأخلاق في المدارس أيضاً.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن العَلمانية لا تمنع الأفراد من إتباع التعاليم الدينية في حياتهم الخاصة وفي بيوتهم وتعليم أولادهم ما يشاؤون من الأخلاق الدينية.

كما أن القوانين التي تسنّها الدول العَلمانية عادة ما تكون مبنية على أسس أخلاقية متجذرة في المجتمعات الانسانية منذ القدم وهي لا تختلف عن التعاليم الدينية في الأخلاق الحسنة.

أما الربط ما بين الفساد الأخلاقي للطبقة الحاكمة والعَلمانية فهذا أيضاً فيه إجحاف شديد. والتاريخ مليء بالشواهد على فساد بعض رجال الدين داخل الحكم وخارجه، ومن كل الأديان. فكما أنه لا علاقة للدين في فساد بعض رجال الدين الحاكمين، كذلك لا علاقة للعَلمانية بفساد بعض الحاكمين العَلمانيين.

الخلاصة

– العَلْمانية هو مصطلح ناتج عن دمج كلمتي العالَمانية والعَلَمانية الذين يرمزان إلى فصل الدين عن الدولة.
– دمج العَلمانية بمصطلح العِلمانية خطأ تاريخي أدى إلى سوء فهم المصطلحين معاً.
– لا علاقة للعَلمانية بالإلحاد أو فساد الأخلاق. كما أنها غير مسؤولة عن فساد الأنظمة التي حكمت باسمها.
– لم تأتِ العَلمانية لتزيل الدين من قلوب الناس، إذ أن الكثير من السكان في الدول العَلمانية هم من المتدينين ويمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية.
– مَنَعت العَلمانية التفرقة بين المواطنين على أساس الدين. ففي ظل العَلمانية يحق لأي مواطن أن يمارس أي دين وأن يتخلى عنه إذا أراد وحتى يحق له أن لا يمارس اي دين على الإطلاق.

Secular states map

الدول العَلمانية (الأزرق) وغير العَلمانية (الأحمر) وغير واضحة الهوية العَلمانية (الرمادي) — [الصورة من موقع ويكيبيديا]

Advertisements

5 تعليقات على “العَلْمانية: حقائق وأكاذيب

  1. الرب يباركك … لهذا الصبر والأناة في شرح تفاصيل القضيه التي تعالجها .. هذا مالاحظته ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s