الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة

قالت أنها ستنتظرني في منتصف الحديقة الكبيرة في وسط المدينة مهما طال الزمان. رغم تطميناتها لي، كنت أسرع الخطى، فلم أشأ أن أصل إليها في ظلمة الليل. حلمت بلقائها منذ نعومة أظفاري. وقعت في حبها قبل أن تعرف دقات قلبي الجنون.

لاحظَ رئيس الموظفين تلهفي وسارع إلى إطفاء أشواقي الملتهبة. كان عليّ أن أتم العمل قبل الرحيل، فهناك عدد كبير من الزبائن ما زال ينتظر على الهاتف. كنت أعمل في شركة للأسهم المالية. عمل لا بأس به، يدرّ عليّ قدر جيد من المال يجعلني مرتاحاً وميسورا.

كنت أحمل أفضل الشهادات من أحسن الجامعات وكان عملي مثار مديح القاصي والداني. لكن رغم ذلك كان رئيسي لا يتوقف عن إشعاري بمِنّيته لي في كل لحظة. لم يقدّر أحاسيسي ولهفتي للقائها فكان يستغلهما لما فيه مصلحته الخاصة.

كنت أشعر بالتمييز وبتفضيل الآخرين عليّ رغم إنجازاتي التي تفوق إنجازاتهم. لكني كنت أصمت لأجلها، تلك المرأة الحلم. إلى أن ثارت نفسي وصرخت بوجه رئيس العمل. لم أعد أقوى على الذل والمهانة والعبودية. نعم! إنها عبودية القرن الحادي والعشرين. لا يهم حجم المال الذي تنتجه، فعبودية النفس لهي أقوى من عبودية الجسد.

صفعني رئيس العمل لجرأتي. شعرت بالألم لكني لم أردّ. جاء معاونه على صوت الجدال، وأخذ بضربي أيضاً. تورم وجهي وأدمعت عينيّ من شدة الألم. خرجت من مكتبه وجمعت أشيائي وغادرت العمل إلى غير رجعة.

توجهت إلى البيت. أردت أن أستحم وأسترخي لبعض الوقت قبل أن أتابع رحلتي للقاء حبيبتي التي تنتظرني والتي طال شوقي إليها. قابلتني زوجتي باستغراب لمجيئي المبكر إلى البيت. شرحت لها ما حصل لكنها رفضت أن تقبل أعذاري. وشرعت في إلقاء محاضرتها الأزلية الأبدية.

لم أردّ عليها. لاحظَت انشغالي. استشعرَتْ نيتي لذلك اللقاء. هي تعلم حاجتي للشمس وأنه لن يمنعني شيئاً عنها. انهالت عليّ بالشتائم. حبي لها يختلف عن حبي لتلك المرأة لكنها رفضت أن ترى الفارق. سمع ابني الكبير الضوضاء فجاء مستوضحاً. لما سمع وجهة نظر والدته بدأ هو الآخر بتأنيبي. بل أكثر من ذلك فقد دفعني بقوة حتى وقعت على الأرض وجرحت كوع يدي.

كيف يجرؤ هذا الولد العاق؟ لقد قدمت له ولإخوته كل ما يحتاجونه حتى وصلوا إلى ما هم عليه الآن. لم أسئ معاملته أو معاملة أحد من اخوته أو أمهم طوال حياتي معهم. لقد عاملتهم جميعاً باحترام لا مثيل له. لو اسأت له أو لها مرة واحدة لكنت عذرتهما. والآن، يعاقباني لأني أريد لقائها؟ تباً لهما.

رأتني ابنتي الصغرى ممدوداً على الأرض والدم ينزف، فأحضرت علبة الإسعافات الأولية التي اشتريتها لها قبل اسبوعين بمناسبة عيد ميلادها الثالث. أخذت تمسح جروحي بالسائل المعقم وتضع ضمادات لعبتها فوق جروحي. نَظَرَت بعطف إليّ وطبعت قبلة صغيرة فوق كدمة ذراعي. قبلتها في جبينها وضممتها إلى صدري. وقلت لها كم أحبها.

خرجْتُ من البيت بسرعة وأنا أكاد أنهار من الصدمة. توقفت على ناصية الشارع للحظة، ألتقط أنفاسي وأسترجع ما حدث. وبينما كنت في سرحان، لم أنتبه لقدوم مجموعة من الشبان. بدأوا بالتحرش بي. أرادوا سرقة أموالي. لم أكن أحمل إلا القليل وهو ما يكفيني للوصول إليها. لم يعجبهم الأمر ولم يستمعوا إلى استغاثاتي لهم بالرحمة.

انهالوا عليّ بالضرب المبرح. وصفوني بأبشع الشتائم. كان مع أحدهم عصاً غليظة. انهال بها ضرباً. شعرت بألم حاد في ذراعي الأيسر. لقد فقدت الإحساس في أصابعي. وقعت على الأرض لا أقوى على الوقوف. مدّ أحدهم يده إلى جيب البنطال وأخرج المحفظة وأفرغها من النقود، ثم رماها في وجهي.

تركوني مرمياً على الرصيف. وبينما كنت في هذه الحال مر مجموعة من الرفاق الذين كنت ألعب معهم الكرة أحياناً. وبدأوا بمساعدتي بعد أن شرحت لهم ما حدث. كانوا في طريقهم لمباراة حبّية مع فريق الحارة المجاورة. كنت أفضل لاعب في الفريق وهم بحاجة ماسّة لي ولدي رغبة شديدة في الإنضمام إليهم، لكني لن أستطيع وأنا في هذه الحالة ومهمتي لم تنتهِ بعد.

بدأ بعضهم بتشجيعي على المضي في رحلتي وأن لا أدع لأمور كهذه أن توقف الحلم. طريق الآلام مليئ بالمطبات وعلى الإنسان أن يضحي لأجل الهدف الأسمى. ومهما تلقى من ضربات، عليه أن ينهض ويتابع بعزيمة قوية وإيمان لا ينضب.

لكن بعضهم وقف في وجهي وبدأ بإلقاء اللوم عليّ لما يجري في حياتي. قالوا أن سعيي المحموم وراء هذه المرأة يجعلني أخسر كل شيء. أستخدموا أوصافاً لم أصدق أنهم يحملوها عني. شعرت وكأني أكتشفهم للمرة الأولى. كأني لم أعرفهم جلّ حياتي. ألم يكفهم أني طريح الأرض، جريح ومتألم؟

ثم أخذوا بركلي بأقدامهم وكأني طابة يتدربون عليها من أجل مباراتهم القادمة. أصابت إحدى الركلات كاحل قدمي الأيسر فتورم. ثم شعرت بألم حاد في ركبتي اليمنى. لقد نالني أحدهم بركلة قوية. أخشى أن يكون قد كسر عظماً فيها.

بعد دقائق من البطش تابعوا طريقهم إلى مباراتهم المنتظرة. لملمت نفسي ووقفت متكئاً على جدار البيت المجاور. مشيت ببطء متلمساً طريقي إلى محطة قطار الأنفاق. دخلت القطار وجلست في أحد المقاعد المجاورة للنافذة، أسلّي نفسي بما أراه من خلالها، محاولاً نسيان ما حدث لي في هذا اليوم اللئيم.

بدأت الآلام بالتلاشي تدريجياً. وأخذت الأورام في وجهي وجسدي وذراعي تضمر شيئاً فشيئاً. عاد الصفاء إلى ذهني. سرحت أفكاري في امرأة الحديقة. كم أنا بحاجة إليها في هذه اللحظات. تلك المرأة التي ستغسل كل أحزاني وتضمد كل جراحي. ستحملني على جناحيها وتطير بي في عالم الحرية الرحيب. تحلق بي بين السحاب لألهو بالأقمار والنجوم.

وبينما أنا في أحلامي تدخل صبية حلوة إلى القطار وتجلس في المقعد المقابل. تتلاقى نظراتنا. قرأت في عينيها حنين وشوق. شعرتُ بلهفة للقاء. لكن إحساساً قوياً منعني. كيف يمكن لقلب مفعم بالألم والحزن أن يحب؟ وتلك المرأة في الحديقة. هل ستغفر لي هذه الهفوة؟ لا. لا مجال لحب جديد في هذه اللحظات.

استشعرَت الصبية الحلوة تمنّعي. شعرَت بالخيبة. لم تستطع فهم السبب. لم تهتم. ألقت نظرة ازدراء ثم أشاحت بعينيها بعيداً عني. تابعتُ تأمّل البشر والإعلانات من حولي حتى يمر الزمن الذي طال كثيراً.

وصلت إلى المحطة المقصودة والتي لا تبعد كثيراً عن الحديقة. خرجت من القطار وأنا مفعم بالأمل. كان يوماً مشمساً جميلاً. وجوه الناس مبتسمة والطيور تملأ الأجواء بزقزقاتها العذبة. كان قلبي يخفق بفرح ويرسل ذبذبات النشوة في جسدي كله. لقد بات الخلاص قاب قوسين أو أدنى.

مشيت في الطرقات أختال كالطاووس، غير مبال بنظرات الحسد أو الغيرة لأني سأقابلها بعد حين. وفجأة يستوقفني رجل يرتدي بزة رسمية. يشرع بالتحقيق معي عن سبب خيلائي. يتهمني بالغربة والجنون. يقرر أنني خطر على الخليقة. ولا يشرّف تلك المرأة أن تلقاني.

يشرع بضربي. في البدء يوجه لكماته نحو وجهي ورأسي. أشعر بالدوخة. لقد كانت ضرباته قوية وصائبة وكأنه تدرب خصيصاً عليها. بعد لحظات انضم إليه عدد من رفاقه وكانوا يرتدون زياً شبيهاً. وشرع كل واحد منهم يتفنن في تسديد الضربات إلى جسدي. والشاطر من يختار بقعة لم يصبها زميله من قبل.

أخرج بعضهم هراواتهم ولم يترددوا في استخدامها ضدي. أصابت إحداها فخذي الأيسر فكسرته وحطمت أخرى ساعدي الأيمن بينما انهالت واحدة على منتصف ظهري فوقعتُ على الأرض من شدة الألم. وبينما أنا على الأرض رأيت هراوة تنهال بقوة فوق رأسي لتصيبني في صدغي فوق أذني اليمنى. وغشى السواد عيناي.

لا أدري كم مرّ من الوقت حين شعرت برطوبة باردة على خدي وطعم الأوحال في شفتاي. فتحت عيناي فلم أرى شيئاً. لم أرى إلا السواد الدامس. لقد طالت غيبوبتي حتى غابت الشمس وحل الظلام. لا أعرف اين أنا. الوحل من حولي ولا أرى إلا السماء المظلمة وبعض النجوم المتفرقة.

تلمست جسدي. كانت هناك بعض المواضع المؤلمة. أكاد لا أقوى على تحريك رجلي اليسرى. عليّ أن أزحف فأنا لن أقدر على الوقوف. ذراعي اليمنى وظهري يؤلماني لكن باستطاعتي استخدامهما. بدأت بالزحف . لا أدري إلى أين.

بعد قليل من الزحف، وصلت إلى مكان عالٍ بعض الشيء. رفعت رأسي ونظرت إلى خلف التلة الترابية الصغيرة. كانت هذه هي الحديقة حيث المرأة الحلم. لقد توضحت الصورة الآن. بعد أن أشبعوني ضرباً رموني بين الأوحال في طرف الحديقة.

نظرت ورائي إلى الجهة الأخرى فتراءت لي الأمور بشكل أوضح. رأيت الطرقات المضاءة والناس يطوفونها جيئة وذهابا. كل في طريقه، غير مبال بحثالة تتمرغ فوق التراب. ترمقني بعض النظرات باحتقار وبعضها الآخر بشيء من العطف.

توقفت للحظات لألتقط أنفاسي. بقيت في خندقي. لم أخرج منه. أتخذت قراري بأن أتابع زحفي في هذه الظلمة غير مبال بالعالم الذي يركض في المشهد الخلفي. لم يعد لي فيه من نصير. كل هدفي الآن هو الوصول إلى معشوقتي قبل أن تلتهمني الوحوش الضارية.

كلما تقدمت إلى الأمام، كلما زادت الظلمة واشتد السواد. لكن هناك في وسط الليل أكاد أرى نوراً. لا أدري ما هو هذا النور، فالأساطير كثيرة. يعتقد البعض بأنه ضوء النهار عند مخرج نهاية النفق. أو ربما ضوء قطار الأنفاق السريع المتجه نحوك حاملاً الموت. ويتحدث العائدون من الموت القلبي المفاجئ عن رؤيتهم لضوء أبيض لا يلبث أن يملأ الكون قبل أن يستعيدوا النبضات. هل هذا الضوء هو نذير بعودة الحياة أم هو دليل رحلتهم نحو الموت المجهول.

ما الفرق عندي؟ فأنا الآن بدون خيارات. أو ربما رفضت كل الخيارات الأخرى. كل ما سأفعله هو أني سأتابع الزحف في خندقي بعيداً عن الحياة حتى أرى النهاية مهما كانت. لم أعد أكترث لا لدعوات التشجيع ولا لصيحات الإستهجان. العالم عندي أصبح سيان.

آلامي زالت. جروحي اندملت. كسور عظامي التحمت. عاد جسمي إلى سابق عهده من الصحة. لكن ما نفع الجسد السليم إن كانت النفس مريضة؟ ذلك السعي المحموم نحو السعادة، ماذا يفيد، إن كانت الوسيلة قد أسقطت كل مبررات الغاية وأفرغتها من معانيها؟

وقفت على قدميّ. أصبحت أمشي إلى حبيبتي. وأحياناً أركض إليها. بدأتُ ألهو مع كائنات الحديقة. خرجَتْ البشرية من قاموسي. دخلَتْ إليه كائنات حية لم أكن أحلم بها سابقاً. اختلف عالمي. زالت منه الآفات الآدمية. واكتسى حلة الطبيعة الجميلة. ما أجمل الكون حين يفقد القدرة على النطق.

وأخيراً وبعد شقاء وانتظار طويلين، ها هي تطل معشوقتي عليّ. كانت بهية الطلعة كقرص الشمس المنير. كان اللون اللازوردي يغطيها من قمة رأسها حتى قدميها. نظرتها الثاقبة تغمرني بالدفء. كانت تقف شامخة، حاملة في ذراعها اليمنى شعلتها المضيئة التي أنارت دربي إليها.

قالت لي: “تعال إليّ أيها المتعب البائس، أيها التواق إلى الحرية”

قلت لها: “حين بدأتُ رحلتي إليك، لم أكن متعباً ولا بائساً. كنتُ في قوة شبابي، أحمل الحب والعطاء لكِ ولكل محبّيكِ. لم تقبلي بي يومها.”

ضمتني إلى صدرها وأجلستني في حضنها. قبَّلَتْ جبيني وأخذت تغني لي. وضعتُ رأسي على كتفها ورحتُ في نوم عميق. أنا بأمَسّ الحاجة إلى بعض من الأمان لأستعيد ثقتي بالكون. هل أجده عندكِ يا سيدتي؟ يا سيدة الحرية؟

 —————————————-

ملاحظات على هامش القصة:

1- “الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة” (Life, Liberty and the pursuit of happiness) هي مبادئ حقوق الإنسان الثلاثة الأساسية والتي لا تقبل الجدل في إعلان استقلال أمريكا الذي كتبه توماس جيفرسون (Thomas Jefferson) وأقره الكونغرس في 4 تموز (يوليو) 1776.

2- على قاعدة تمثال الحرية (Statue of Liberty) الذي يعرف أيضاً بسيدة الحرية (Lady Liberty)، كُتِبت مقطوعة شعرية من أشعار إيما لازاروس (Emma Lazarus) تقول فيها:

“أعطوني المتعبين والفقراء،

والجموع الحاشدة التواقة إلى استنشاق الحرية،

والبائسين المهملين الذين يملؤون شطآنكم.

أرسلوا أؤلئك المشردين الذين تعصف بهم الزوابع إليّ،

فأنا أرفع مصباحي عند البوابة الذهبية”

“Give me your tired, your poor,
Your huddled masses yearning to breathe free,
The wretched refuse of your teeming shore.
Send these, the homeless, tempest-tost to me,
I lift my lamp beside the golden door!”

3- كان اللون الأصلي لتمثال الحرية النحاسي هو البني المائل للإحمرار لكن مع الزمن وبسبب التفاعلات الكيميائية مع عوامل الطبيعة تحول لونه إلى اللازوردي (الأزرق المائل إلى الخضرة)

4- رغم أن شخصيات وأحداث هذه القصة مستمدة من الخيال إلا أن المعاناة مستوحاة من الواقع. وإذا تساءلتم عن سر هذه القصة، فالجواب هو “نعم! فبعد عناء دام 26 سنة وصلت إلى مبتغاي.”

Advertisements

10 تعليقات على “الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة

  1. من البداية شعرت بالسوداوية وعندما تذكرت مسيرتك خلال السنوات السابقة عرفت السبب ولكنني لم اتوقع ان أحصل على مفاجأة الموسم وعلى المبتغى والرجاء.
    شكرا لأنك أنهيتها بهذا الفرح

  2. انا شخصيا اشك في انك وصلت الى مبتغاك واعتقد انك انهيت مرحلة من مراحل حياتك كما كل انسان يصبو الى هدف يضعه امامه وحين يصل اليه يضع هدف اكبر من الذي وصل اليه انها الطبيعة البشرية او طمع الانسان بالنجاح تفسر بكلى الحالتين فهما مترابطين الى حد بعيد اتمنى لكل انسان يصبو الى هدف سام من اجل خير الانسان وخيره ان يصل الى اعلى المراتب ونجاح وراء نجاح فمن يهتم بالنجاح سيكون له هدف حتى لو لم يفكر سابقا بأن يضع هدف لحياته

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s