“سوريا الصغرى” في مدينة نيويورك: أول مستوطنة عربية في العالم الجديد

أول ما يلفت نظر الزائر إلى القطاع المالي (Financial District) في مدينة نيويورك هو أبنيته الشاهقة. يخال المرء نفسه وكأنه قد دخل غابة مصنوعة من الإسمنت. سواءً كان يقطع الطرقات مشياً على الأقدام أو يقود سيارة، فلا بد له من أن يشعر بضآلته أمام هذه الأعمدة والجدران الضخمة التي تحجب السماء وتكاد تطبق على صدره وتمنع عنه الهواء.

لقد كان النمو الإقتصادي الهائل لهذه المدينة في القرن الماضي وتحولها إلى مركز الأموال العالمي السبب الأساسي الذي جعل المهندسين يتسابقون على استغلال كل شبر منها لبناء ناطحات السحاب، حتى بدت طرقاتها وكأنها أزقة ضيقة أشبه بأزقة مدينة دمشق القديمة.

وبينما يتجول المرء في هذه الطرقات بحثاً عن جمال لا يشوبه الإسمنت، فجأة، يلمح ثلاث أبنية متلاصقة وصغيرة  نسبياً. أبنية مختلفة بشكل واضح عن محيطها، حتى ليُظَنّ بأنها اقتلعت من مكان ما وزُرِعت بغير إرادتها في وسط هذه الغابة الغريبة.

حين يتقدم المرء قليلاً من أحد هذه الأبنية يرى واجهة زخرفية جميلة جداً يتوسطها تمثالاً للقديس جورج (مار جريس) على حصانه وهو يطعن التنين. لقد كان هذا البناء هو أول كنيسة  للروم الكاثوليك (الملكيين) في أمريكا. أما البناءان الآخران فهما سكنيين. هذه الأبنية الثلاثة هي كل ما تبقى من “سوريا الصغرى” (Little Syria).

طلائع المهاجرين

يختلف المؤرخون حول أول المهاجرين العرب إلى أمريكا.هناك من يعتقد بأن الأندلسيين اكتشفوا أمريكا قبل كولومبوس بقرون عديدة والبعض يعتقد أن أوائل العرب جاءوا إلى أمريكا الشمالية مع المستكشفين الأسبان في القرن الخامس عشر. آخرون يقولون بأن عائلة “وهاب” من الجزائر استوطنت في كارولينا الشمالية بعد أن تحطمت سفينتهم في عام 1779. أما من بلاد الشام فيعتقد أن أول المهاجرين كان شاباً من جبل لبنان واسمه “أنطون بشعلاني” وجاء في عام 1854، وعاش ومات في نيويورك.

ظلت أعداد المهاجرين محدودة إلى أن بدأت الهجرة الكبيرة، حيث استقبلت أمريكا بين عامي 1880 و1924 حوالي 20 مليون مهاجر. وكان بينهم حوالي 100 ألف مهاجر عربي غالبيتهم العظمى كانت من سوريا الكبرى (والتي كانت تشمل حينئذ سوريا ولبنان وفلسطين والأردن). وكان هناك عدد محدود من المهاجرين من العراق واليمن ومصر والمغرب.

اختلفت التفسيرات حول سبب هجرة السوريين لكن معظمها تركّزت حول سببين أساسيين: السبب الأول كان الحلم بمستقبل أفضل. فقد كانت الأوضاع الإقتصادية في منطقة بلاد الشام سيئة جداً حيث كثرت فيها المجاعات. وكانت سمعة أمريكا بأن طرقاتها مرصوفة بالذهب دافعاً قوياً يجذب الناس من كل صوب. والسبب الثاني كان الوضع السياسي في سوريا التي كانت ترزح تحت الاحتلال العثماني ورفض الشباب العربي الخدمة الإجبارية في الجيش التركي. وكانت غالبية المهاجرين السوريين من المسيحيين الذين عانوا بشكل أو بآخر من التمييز الديني في ظل الحكم العثماني الإسلامي المتزمت.

الإستيطان في نيويورك

عند وصول السفن إلى نيويورك كان المهاجرين الجدد يدخلون من خلال مركز الهجرة في قلعة غاردن(Castle Garden)، المعروفة أيضاً بقلعة كلينتون(Castle Clinton) التي بنيت في وسط حديقة باتري (Battery Park) الواقعة في أقصى الجنوب من جزيرة مانهاتن (Manhattan). وبعد إجراء معاملات الهجرة اللازمة يخرج المهاجرين الجدد من الحديقة إلى أحياء مانهاتن المجاورة ومنها شارع واشنطن (Washington Street) الذي كان يبدأ من طرف الحديقة ويمتد شمالاً بطول حوالي كيلومتر واحد.

كان من الطبيعي أن يلجأ المهاجرين في أرض مجهولة إلى الأحياء المجاورة، حيث أصبحت هذه الأحياء تعج بالوافدين الجدد وخاصة الأوروبيين الذين كانوا يشكلون الغالبية العظمى من المهاجرين. وكان شارع واشنطن لا يختلف عنها حيث ضم المهاجرين الألمان والاوروبيين الشرقيين والإسكندنافيين والايرلنديين واليونانيين والأتراك.

وحين بدأ العرب السوريون بالوصول إلى نيويورك كان شارع واشنطن هو مكانهم المختار. وبدأت أعدادهم بالتزايد تدريجياً إلى أن صبغوا الحي بصبغتهم الخاصة، حتى أنهم كانوا يلبسون الألبسة التقليدية التي كانت دارجة في بلاد الشام آنئذ، فالرجال كانوا يرتدون الطربوش الأحمر بينما ارتدت النساء أغطية الرأس الفولكلورية. وأطلق على الجزء الجنوبي من الشارع اسماء عدة من بينها “الربع السوري” (Syrian Quarter) و”المستعمرة السورية الرئيسية” (Principal Syrian Colony) و”المستعمرة السورية الأم” (Mother Colony) لكن الاسم الذي كان أكثر شيوعاً هو “سوريا الصغرى”.

وحتى بعد أن انتقل مركز الهجرة إلى جزيرة إليس (Ellis Island) التي هي على مرمى حجر من مانهاتن في عام 1892، استمر المهاجرين العرب الجدد يلجؤون إلى شارع واشنطن عند وصولهم. كان بعضهم يستقر هناك، والبعض الآخر يتوقف فيها للإستشارة ثم يتابع رحلته إلى إحدى المدن المجاورة أو إلى إحدى الولايات الأخرى. لهذا اعتبرت سوريا الصغرى المستعمرة الأم التي منها انبثقت باقي المستعمرات السورية في أمريكا.

وتتشكل حدود سوريا الصغرى من: شارع سيدار (Cedar Street) في الشمال وشارع باتيري بلايس (Battery Place) في الجنوب والشارع الغربي (West Street) في الغرب وشارعي غرينيتش (Greewich Steet) وترينيتي بلايس (Trinity Place) في الشرق.

الحياة الإقتصادية

كانت التجارة المهنة الأكثر تداولاً بين العرب آنذاك حيث أصبح الكثير منهم باعة متجولين يدورون شوارع نيويورك بعربياتهم أو يحملون الأكياس و الصناديق على ظهورهم وأكتافهم. كانوا يبيعون على عربياتهم الفواكه والملابس والمشروبات والحلي والأيقونات وغيرها. بينما كانت صناديقهم تحمل الإبر والدبابيس والأمشاط والمسابح وغيرها مما خف وزنه.

كانت هذه المهنة تدر مالاً جيداً، أحياناً ضعف ما يوفره العمل في معامل النسيج الذي كان عملهم المفضل الثاني. وكان يصل دخل البائع المتجول السنوي ما يعادل خمسة أضعاف متوسط الدخل الفردي. كما كثرت في الحي معامل النسيج ومشاغل السجاد اليدوي وغيرها من الصناعات الصغيرة. وكان عدد البائعات المتجولات يساوي عدد الباعة من الذكور. وكذلك الحال بالنسبة لعمال المعامل حيث تساوى عدد الذكور والإناث.   

وحين يجمع المرء مالاً كافياً كان يفتح محلاُ تجارياً أو قهوةً أو مطعماً. وبينما عمل الرجال في هذه المحلات كانت النسوة تعملن في الخياطة داخل المنزل. ومن أشهر تلك المحلات كانت محلات إبراهيم سعادة (Abraham Sahadi) التي أنشئت في عام 1895 واستمرت في هذا الشارع حتى عام 1967 وبعد ذلك استمرت العائلة في محلها الثاني في بروكلين (Brooklyn) حتى يومنا هذا ومع الزمن تحول اسم سعادة (Sahadi’s) إلى شركة ضخمة لتجارة المواد الغذائية أشهر من نار على علم.

كانت محلات سوريا الصغرى تبيع إلى جانب المأكولات والحلويات الشرقية والبهارات والحبوب والبقول العربية كل ما له صلة بعالم الشرق مثل السيوف والنراجيل والمصابيح والصواني النحاسية وغيرها. وكثرت فيها المطاعم العربية والقهاوي التي يؤمها الناس ليلاً للعب النرد وتدخين النرجيلةً. كما كثرت محلات الصاغة و بيع القماش  والسجاد العجمي وبيع الاسطوانات ومكاتب الاستيراد والتصدير والسفريات والبنوك.

وأنشئت مستودعات ضخمة لتجارة الجملة التي كانت ترسل بضائعها إلى أقاصي الولايات البعيدة  وحتى إلى بلاد أخرى مثل كندا وأمريكا الجنوبية والبحر الكاريبي.

مع اكتمال جسر بروكلين 1883 وافتتاح نفق القطارات تحت الأرض (Subway) بين مانهاتن وبروكلين 1910 بدأ العرب بالتوسع باتجاه بروكلين هرباً من الزحام. واستقر معظمهم حوالي الجزء الغربي من شارع أتلانتيك (Atlantic Avenue) المقابل لمرفأ نيويورك. وأصبح هذا الشارع يعرف “بشارع واشنطن الجديد” وأحياناً كان يطلق على هذه المنطقة اسم “سوريا الصغرى الثانية” لأنها كانت امتداداً للحي الأصلي في مانهاتن.

الحياة الدينية

كانت الغالبية العظمى من السوريين الأوائل ينتمون إلى الديانة المسيحية. في عام 1904 كان هناك 454 عائلة في سوريا الصغرى. كانوا كلهم من المسيحيين إلا عائلة مسلمة واحدة مؤلفة من شخصين. لكن مع الزمن ازداد عدد المسلمين وخاصة من الفلسطينيين وسكنوا في القسم الشمالي من الشارع ووصلت نسبتهم إلى 5% من إجمالي العرب تقريباً.

لم يكن هناك أي جامع للمسلمين في سوريا الصغرى. وقد بني أول جامع في بروكلين في شارع مجاور لشارع أتلانتيك عام 1928(شارع ستايت: State Street) ويعتقد أن معظم مسلمي نيويورك عامة والمسلمين العرب في سوريا الصغرى خاصة والبحارة المسلمين وحتى موظفي الأمم المتحدة المسلمين لاحقاً كانوا يصلون فيه. أَسس هذا الجامع داعية إسلامي سني من أصل مغربي وكاريبي واسمه الشيخ داوود أحمد فيصل. وسمي الجامع بجامع شارع ستايت (State Street Mosque) ولاحقاً بمسجد داوود (Masjid Dawood). وما زال هذا المسجد قائماً حتى يومنا هذا.   

كان هناك أيضاً بعض اليهود السوريين الذين اختلطوا أكثر مع اليهود الموجودين أصلاً ولم يختلطوا مع العرب. وجاء أيضاً عدد قليل من الدروز لكن غالبيتهم غادروا نيويورك إلى مناطق أخرى حيث عملوا بالزراعة.

شكلت طائفة الروم الكاثوليك (الملكيين) النسبة الأكبر من المسيحيين السوريين ثم جاء من بعدهم الطائفة المارونية. بينما شكل الروم الأورثوذوكس حوالي الربع.

وأما عن الروم الكاثوليك، ففي عام 1889 جاء الأب ابراهيم بشواتي خصيصاً من روما وأصبح أول كاهن لكنيسة مسيحية من أصول عربية في أمريكا. في البدء استخدم قبو كنيسة القديس بطرس التاريخية والتابعة للكاثوليك الايرلنديين في شارع باركلاي (Barclay Street) المجاور لسوريا الصغرى. لذلك سميت كنيستهم مؤقتاً بكنيسة القديس بطرس السورية للروم الكاثوليك وخدمت هذه الكنيسة كل الروم الكاثوليك في نيويورك بمن فيهم كاثوليك شارع واشنطن حتى عام 1910 حين أنشئت كنيسة مريم العذراء في بروكلين وانتقل إليها معظم العرب.

وفي عام 1916 أعاد الأب بشواتي تنظيم الكاثوليكيين في سوريا الصغرى تحت اسم كنيسة القديس جورج وأقام الصلوات في قاعة مستأجرة في (98 شارع واشنطن). وفي عام 1925 اشترت هذه الكنيسة بناءً سكنياً في (103 شارع واشنطن) وجعلوا منه كنيستهم إلى أن أغلقت نهائياً وبيع البناء في عام 1982.  

أنشأ الموارنة السوريون كنيستهم باسم القديس يوسف في عام 1891 واستخدموا قاعة للايجار في (127 شارع واشنطن). تنقلت الكنيسة في عدد من الأماكن. في عام 1910 اشتروا بناء (57-59 شارع واشنطن) لكنه هُدِم في 1946 لإنشاء نفق بروكلين باتيري (Brooklyn Battery Tunnel). انتقلت الكنيسة بعدها إلى (157 شارع سيدار) حتى عام 1969 حيث هدمت أيضاً لإفساح المجال لبناء برج التجارة العالمي. ومن غرائب الأمور أن أحد الأحجار الأساسية لهذه الكنيسة قد وجد بين أنقاض مركز التجارة العالمي في العام 2002 وقد نقش عليه اسم كنيسة القديس يوسف المارونية باللغة اللاتينية. وهذا الحجر موجود الآن في كنيسة سيدة لبنان في بروكلين.

بعد مجيء الأب خيرالله اصطفان في عام 1900 قام بنقل تدريجي للكنيسة إلى موقعها الحالي في بروكلين تحت اسم سيدة لبنان، لأن معظم رعيتها بدأوا بالإنتقال إلى تلك المنطقة. لكن كنيسة القديس يوسف استمرت تخدم سكان منهاتن حتى يومنا هذا في 385 شارع ساوث إند (South End Avenue).

أما الروم الأورثوذوكس فقد أنشأو ا جمعية باسم الجمعية الخيرية السورية الأورثوذوكسية وطلبوا من الكنيسة الروسية التي كانت تتولى أمور الأورثوذوكس السوريين بتعيين راعٍ للكنيسة يتحدث العربية. فتم تعيين الأب رافائيل هواويني ذو الأصل الدمشقي والذي جاء إلى نيويورك في عام 1895 وأنشأ كنيسة في (77 شارع واشنطن). وفي عام 1902 ولانتقال معظم أعضائها إلى بروكلين تم نقل الكنيسة إلى شارع باسيفيك (Pacific Street) وسميت بكنيسة القديس نقولا. إنتقلت هذه الكنيسة إلى مقرها الحالي في (355 شارع ستايت: State Street) عام 1920 واصبحت الكاتدرائية الأم لكل الأورثوذوكس في أمريكا.

في عام 1905 أنشأ الأب رافائيل مجلة الكلمة (The Word) باللغة العربية والتي تحولت للإنجليزية في عام 1957. ومازالت هذه المجلة تصدر شهرياً من الأسقفية الإنطاكية للروم الأورثوذوكس في شمال أمريكا حتى يومنا هذا.

في عام 1904 كُرِّس الأب رافائيل كمطران وتوفي في عام 1915. وفي عام 2000 طُوِّب كقديس في الكنيسة الأورثوذوكسية وأصبح يعرف بالقديس رافائيل من بروكلين (Saint Raphael of Brooklyn).

الحياة الثقافية

شهدت سوريا الصغرى نهضة ثقافية حقيقية حيث واكبت نهضة الفكر العربي التي بدأت في العالم العربي ضد سطوة  العثمانيين. وصدرت أول صحيفة عربية في نيويورك باسم “كوكب أميركا” عام 1892 لكنها لم تدم طويلاً إذ أغلقت عام 1908. وصدرت صحيفة “الهدى” في عام 1898 وأصبحت أهم الصحف العربية في أمريكا ودامت حتى عام 1968.  

ولعل أهم الأحداث الثقافية في تلك الفترة هو إنشاء رابطة القلم (Pen League) التي ضمت عدد من أشهر أدباء المهجر مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وايليا أبو ماضي. لم يكتفي هؤلاء الأدباء بالكتابة باللغة العربية بل كتبوا أيضاُ باللغة الإنكليزية وظهرت بعض مقالات جبران في جريدة العالم السوري (Syrian World) التي صدرت باللغة الإنكليزية في عام 1926.

عاش أمين الريحاني في سوريا الصغرى نفسها (في 85 شارع واشنطن) بعد قدومه من لبنان عام 1888 وكان حينئذ في الثانية عشرة من عمره.  وكان أول روائي عربي يكتب رواية باللغة الإنكليزية. وفي روايته “كتاب خالد” (The Book of Khalid) التي نشرت عام 1911 أعطى أمين صورة دقيقة عن الحياة في سوريا الصغرى في تلك الفترة.

في سوريا الصغرى أيضاً ظهرت أول مُنَضِّدة أحرف ميكانيكية اللينوتايب (Linotype) للغة العربية، مما سهل عملية طباعة الجرائد بشكل كبير بعد أن كانت تعتمد على صف الأحرف يدوياً. كان هذا على يد نعوم مكرزل مؤسس جريدة الهدى. وساعد هذا التقدم في الطباعة على النمو السريع للصحافة العربية حتى في الشرق الأوسط.

بداية النهاية

بعد الحرب العالمية الأولى بدأ القطاع المالي يشهد ثورة عمرانية كبيرة وبدأت معها تبرز الأبنية الشاهقة والتي أصبحت تضيّق على سكان وتجار سوريا الصغرى. وأصبح السوريين يبيعون ممتلكاتهم ومحلاتهم ويتجهون إلى مناطق أخرى. وأزدهر في هذه المرحلة شارع أتلانتيك في بروكلين الذي حمل لقب “شارع واشنطن الجديد”. وكان للركود العظيم في الثلاثينات تأثير كبير على تجار سوريا الصغرى، فأغلقت العديد من المحلات.

كما مرر الكونغرس في عام 1924 قانوناً جديداً للهجرة وحدد عدد المهاجرين من بلاد العرب بمئة مهاجر في العام  الواحد فقط. أثّر هذا الإنخفاض الهائل في العدد على المجتمع العربي ككل وعلى سوريا الصغرى بشكل خاص. أصبحت الأجيال العربية الوليدة أكثر اندماجاً بالمجتمع الأمريكي وابتعد معظمهم عن مهنة الأهل ودخلوا الجامعات وأصبحوا من أصحاب المهن العالية.

وبدأ الشباب العرب يختلطون ويتزاوجون مع الشعوب غير العربية وشرعوا باختيار أماكن للسكن خارج أوساطهم العربية التقليدية. ولما كان الشريان الذي يجلب دماً جديداً من العالم العربي قد انقطع بفعل قانون الهجرة الجديد لم يعد في سوريا الصغرى إلا جيل المهاجرين الأُوَل وبعض من الجيل الثاني. وبدأت سوريا الصغرى تفقد بريقها تدريجياً ليسطع بريق بروكلين وأتلانتيك آفنيو.    

المصير المحزن

بعد حوالي 75 سنة من وصول العرب إلى نيويورك بدأ العد العكسي لهذه المستوطنة. فبعد الحرب العالمية الثانية بدأت حملة التحديث في المنطقة. أولاً أنشئ نفق بروكلين باتيري في النصف الجنوبي من شارع واشنطن ومزق قلب سوريا الصغرى. ثم بدأت الأبنية الشاهقة ذات المكاتب المتخصصة بالمالية والإقتصاد بالظهور مما اضطر المدينة لبناء كراجات ضخمة للسيارات. من بين الأبنية الشاهقة برز مركز التجارة العالمي (World Trade Center) الذي أقيم في الجزء الشمالي لشارع واشنطن.

بسبب هذه التغييرات اضطر ما تبقى من العرب إلى بيع مساكنهم ومحلاتهم التجارية ومستودعاتهم والنزوح إلى المناطق العربية المجاورة. منهم من عبر نهر الهادسون (Hudson River) إلى نيوجرسي ومنهم من ذهب إلى أتلانتيك آفنيو وبروكلين هايت (Brooklyn Heights) أو اختار باي ريدج (Bay Ridge) أو غيرها من مناطق بروكلين. أما معظم النشاط التجاري فقد انتقل إلى أتلانتيك آفنيو الذي أصبح القلب النابض الجديد للجالية والذي أصبح يعرف “بسوريا الصغرى الثانية”.

بقي من شارع واشنطن اليوم ثلاثة أقسام: القسم الجنوبي (جنوب مدخل النفق) وطوله حوالي 150 متر. القسم الشمالي (شمال مركز التجارة العالمي) وطوله حوالي 100 متر. والقسم الأوسط الممتد بين مدخل النفق ومركز التجارة العالمي ويبلغ طوله حوالي 300 متر. وفي وسط القسم الأوسط (بين شارعي كارلايل وريكتور) (Carlisle & Rector Streets) تقع الأبنية الثلاثة الباقية والشاهدة على تلك الفترة. 

الابنية الثلاثة الباقية

103 شارع واشنطن: بني في 1812. استخدم كفندق وبناء سكني حتى تحول إلى كنيسة القديس جورج السورية للروم الكاثوليك في 1925. وبيع البناء في عام 1982 إلى شركة المطاعم والبارات موران (Moran’s Restaurant and Bar).

في عام 1929 قام المهندس المعماري اللبناني الأصل والأمريكي المولد هارفي فارس كساب (Harvey Farris Cassab) بتصميم واجهة الكنيسة مستخدماً مادة الصلصال المسماة بالتيراكوتا (terra-cotta). وأضاف تمثال ملون للقديس جورج وهو يطعن التنين برمحه في وسط الواجهة. وبسبب جمال هذه الواجهة وتميزها أدخلت مدينة نيويورك هذه الكنيسة في قائمة المحميات من معالمها وأصبح ممنوعاً هدمها.

105-107 شارع واشنطن: بني عام 1925 على أنقاض بناء سكني سابق تم هدمه. خصصه حاكم ولاية نيويورك آل سميث (Al Smith) ليقدم الخدمات الإجتماعية للمهاجرين الجدد من تعليم وصحة وتدريب مهني، وتحوّل فيما بعد إلى معبد بوذي قبل أن يصبح بناءً سكنياً متعدد الشقق

109 شارع واشنطن: بني بين عامي 1850 و1870 وكان دائماً بناءً سكنياً متعدد الشق عاش فيه الكثير من العائلات العربية المهاجرة.

“أنقذوا شارع واشنطن”

أخذت مجموعة من الشباب الأمريكي على عاتقها مهمة الحفاظ على هذه الأبنية الثلاثة، الشواهد الوحيدة الباقية على فترة هامة من تاريخ العرب في أمريكا. وهناك محاولة لجعلها متحفاً ليحفظ هذا التراث. ولما كان البناء الأول محمياً من قبل الولاية بسبب واجهته الزخرفية الفريدة، تكثف الجهد على حماية البناءين الآخرين المعرضين للهدم في أية لحظة.

أنشأت هذه المجموعة موقعاً على الانترنيت وفيه كل المعلومات حول نشاطها. وهناك عريضة للطلب من المدينة بأن تحمي هذه الأبنية والتي تحتاج إلى 2500 توقيع.

إذا كنت راغباً بالتوقيع بإمكانك أن تفعل ذلك في هذه الصفحة:

  http://www.change.org/petitions/nyc-landmarks-preservation-commission-save-the-first-arab-american-neighborhood-washington-street

للمزيد من المعلومات بإمكانكم قراءة موقعهم على هذا الرابط:

http://savewashingtonstreet.org/

وفي صفحة الصور من الرابط ستجدون مجموعة قيمة من صور سوريا الصغرى:

http://savewashingtonstreet.org/photographs/

الأبنية الثلاثة: الكنيسة ومركز الخدمات والبناء السكني (من اليمين إلى اليسار)

الأبنية الثلاثة: الكنيسة ومركز الخدمات والبناء السكني (من اليمين إلى اليسار). 20-1-2013

صورة تظهر قرب الأبنية الثلاثة (على اليمين) من برج الحرية

صورة تظهر قرب الأبنية الثلاثة (على اليمين) من برج الحرية. 20-1-2013

منظر سوريا الصغرى قبل هدم البناء الأوسط (على اليمين باللون الفاتح)

منظر سوريا الصغرى قبل هدم البناء الأوسط (على اليمين باللون الفاتح) وبناء مركز الخدمات مكانه عام 1925

منظر عام لشارع واشنطن يظهر الأبنية العالية وتأثيرها على الأبنية القديمة

منظر عام لشارع واشنطن يظهر الأبنية العالية وتأثيرها على الأبنية القديمة

Advertisements

15 تعليقات على ““سوريا الصغرى” في مدينة نيويورك: أول مستوطنة عربية في العالم الجديد

  1. دائما يا ابو الغس انت مصدر معلوماتنا بس هالمرة معلومات جديدة ولأول مرة بسمعها. انا بعرف انو في عرب ببروكلن بس منهاتن اول مرة بسمع هالتاريخ عن السوريين والعرب. شكرا لمشاركتنا بالمعلومات….بس متل ما بتعرفني لما كنت تدرسني بالتاسع خلقي ضيق بالتاريخ فقرأت المقالة على 3 مراحل… بس حلوة…

  2. عمل جميل ابو الغس وبالنسبة الي اول مرة بعرف بهالمعلومات القيمة بالرغم من اني عشت هونيك وهالمنطقة آكلة من رجليي شقف على قولة المثل…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s