شجرة الميلاد وابتسامتها

ها هو عيد الميلاد يلوح في الأفق، ليعلن قدومه بخطى ثابتة وقوية تكاد تزلزل الأرض من وطأتها. كل الأشياء من حولي ترتجّ من شدة ضربات أقدامه، إلا قلبي الذي اختار زاوية منسية من هذا العالم ليختبئ بها. أصبحت أخشى قدومه. لم يعد يحمل البهجة كما كان يفعل منذ قديم الزمن. أصبح قدومه، مصحوباً ببرد الشتاء القارس في هذه البلاد، يسبب لي كآبة موسمية تحيك شبكتها العنكبوتية حولي لتمنع عني الهواء فأغرق في الحلم الضبابي.

وتعود بي الذكريات إلى أيام الميلاد التي قضيتها في ربوع بلادي. لم أكن أشعر بالحزن عندئذ.

أذكر أعياد الميلاد في أيام الطفولة وسنين المراهقة. كانت من أجمل أيام السنة. الملابس الجديدة والعيدية. الجيوب الملأى بالملبّس والشوكولاتة والططلي بعد زيارات الأقارب. اجتماع العائلة حول مائدة العيد. أقراص الكبة مع الكشك أو اللبنية التي كانت أكلتي المفضلة. كانت السعادة تغمر الوجوه جميعاً.

لم نكن ننصب شجرة للميلاد في بيتنا حينئذ. بل كان من النادر أن نرى أشجار الميلاد، لا في الطرقات ولا في المنازل. بل تكاد لا تشعر ببهجة العيد خارج البيوت، حتى في حيّنا الذي كثر فيه المسيحيين. لم تصبح الشجرة من تقاليد العيد في شرقنا إلا متأخرة. حتى أن الفاتيكان لم يعترف بها كرمز للميلاد إلا في أواخر القرن العشرين. بينما بدأ المسيحيون في شمال أوروبا، وخاصة ألمانيا، يحتفلون بها منذ القرن الخامس عشر.

ويحكى بأن القس الألماني مارتن لوثر، مؤسس الكنيسة البروتستانتية، هو أول من وضع الشموع المضاءة فوقها وكان ذلك في أوائل القرن السادس عشر. كان عائداً من إحدى صلواته الليلية فأخذه منظر خلاب. رأى أضواء النجوم تتلألأ فوق التلة المغطاة بالأشجار. فقرر أن يضيف الشموع إلى شجرة الميلاد المنصوبة في منتصف المنزل.

أما أصل هذه العادة بيعود إلى ما قبل المسيحية. لقد كان الاعتقاد السائد بأن الأشجار دائمة الخضرة والتي لا تسقط أوراقها في الشتاء هي رمز الحياة الأبدية والصحة الدائمة. فكان الانسان يزرع هذه الأشجار حول منزله ليرد المرض ويطرد الأرواح الشريرة. واختار الانسان يوم 21 أو 22 من كانون الأول (ديسمبر) لأنه يوم انقلاب الشمس الشتوي، الذي هو أقصر يوم في السنة. اعتقد الانسان في تلك الحقبة بأن الشمس تمرض تدريجياً وتبلغ قمة المرض في ذلك اليوم. فكان يزرع الأشجار دائمة الخضرة كالصنوبر ليعيد للشمس صحتها وعافيتها.

وأذكر ذلك العام حين قَرَرَت أسرتنا أن تضع شجرة عيد الميلاد لأول مرة. ما زلت يومها في سن المراهقة. لا أذكر العام بدقة لكني أذكر تماماً كيف تبرعتُ بأن أقوم بهذا العمل مدفوعاً بحبي لخوض تجربة جديدة.

وجدت نفسي في غرفة الضيوف وحيدا،ً أحاول فك رموز هذه الشجرة الاصطناعية. لم تكن الأمور بالسهولة التي تصورتها فأنا لم أقم بمثل هذا العمل من قبل.

أخذت أسترجع من ذاكرتي تفاصيل بعض الشجيرات التي رأيتها في العام السابق. وكان عليّ أيضاً أن أبتكر أشياء لم تكن لتخطر ببالي. كأن استخدم علبة بسكويت كبيرة مفتوحة من جانب واحد، كمغارة الميلاد، بعد أن غطيتها بالورق الملون حتى لا يكتشف أحداً حقيقتها. واستخدمت كيس القطن الأبيض الطبي كله، حيث نشرت القطن على أغصان الشجرة لتشبه الثلج، غير مبال بنفاذه من بيتنا. ثم غطيت الطاولة كلها مع قاعدة الشجرة بالورق الملون ونشرت أشرطة الإضاءة الملونة على الشجرة وداخل المغارة. ووزعت التماثيل داخل المغارة وعلى مدخلها وتحت الشجرة. وأخيراً علقت الزينة فوق الأغصان.

استغرقني هذا العمل حوالي الساعتين وكان الظلام قد حل. أطفأت نور الغرفة، ثم أشعلت أنوار الشجرة. وكانت المفاجأة. لم أنسى اللحظة التي أضأت بها الشجرة حتى الآن. لقد شعرت بغبطة لم أعرفها من قبل. كان قلبي يخفق بشدة وكأني أهبط من أعالي الجبال هبوطاً حراً. كانت الأضواء المتلألئة تضفي على جو الغرفة المعتم سحراً أخّاذاً.

لم أتمالك نفسي. أردت أن أشارك أحداً هذه الفرحة. أطفأت الأضواء وأسرعت إلى أمي التي كانت تعمل في المطبخ. طلبت منها أن تأتي معي إلى غرفة الضيوف للحظة. قالت بأنها مشغولة الآن. لم أقل لها عن السبب فقد أردته مفاجأة. وحاولت إقناعها بأن الأمر لن يطول أكثر من ثوان. أخيراً ومع بعض التردد، لبت أمي الدعوة.

دخلنا الغرفة وطلبت منها أن تقف أمام الشجرة. ثم أضأتُ الشجرة ونظرتُ إلى وجه أمي في تلك اللحظة. وسقط قلبي مرة أخرى. لقد علا وجهها ابتسامة لم أرها من قبل. كانت ابتسامة جديدة تختلف عن كل ابتساماتها السابقة. كانت  مزيجاً من الفرح الغامر والحب الجميل والأمنيات الحلوة. كان الضوء المنبعث من ابتسامتها قد طغى على كل أضواء الشجرة وملأ الغرفة وملأني بالدفء والعطف والمحبة الخالصة. كانت عيناها تتنقلان بين المغارة والشجرة و تنقل إليّ احساسها بالامتنان والفخر والاعتزاز. لقد تحولت أضواء الشجرة إلى نجوم متلألئة في سماء الغرفة وكان وجهها كالبدر المشع الذي لا ينضب. وفوق كل شيء، كانت ابتسامتها تحمل وداعة الحملان فتنقل إلى قلبي أسمى أحاسيس الأمان والطمأنينة.

أطالت أمي وقفتها أمام الشجرة أكثر مما تصورت. لقد أرادت أن تغرق في هذا النور المنبعث من المغارة وما حولها وتنسى ما يثقل قلبها ولو للحظات. لم تقل شفتاها الكثير من الكلام حين عادت إلى المطبخ لتكمل عملها ولكن ابتسامتها قالت لي أشياء لم أكن أتصور أنها قادرة على قولها.  إن هذه اللحظة أمام الشجرة قد غيرت أمي في الساعات والأيام القليلة القادمة. لقد لاحظت سكينة في نفسها وكأن روحاً الهية قد سكنتها.

أما أنا فقد مدتني هذه اللحظة بطاقة عجيبة دامت لفترة طويلة. لم أفهم ماهيتها إلا بعد سنوات. تركت هذه الحادثة أثراً كبيراً في نفسي  ودخلت ذاكرتي إلى الأبد. أصبحتُ أنتظر عيد الميلاد بفارغ الصبر. لقد أصبحتُ المدير العام لشجرة العيد، فأنا الذي يتولى نَصبها في كل عام. كنت أشعر بيني وبين نفسي بسعادة خفية حين تقترب اللحظة لأرى ابتسامة أمي إلى جانب الشجرة. وكانت لا تبخل عليّ بها. فكانت تدرك بفطرتها أني بحاجة ماسة إلى هذه الطاقة العجيبة لتدفعني للحياة.

ومرت السنين وهاجرت إلى أمريكا. لم أعد أرى ابتسامة أمي عند شجرة الميلاد. وأصبحت أشعر بالاكتئاب كلما اقترب هذا العيد. كنت احاول أن أستمدّ شيئاً من هذه الطاقة عبر أحاديثنا التلفونية. كانت كافية بعض الشيء. لكن لم تكن بنفس القوة. كنت أشعر بوهن دائم.

أما هي، فكان لهذه اللحظات إلى جانب الشجرة مفعولاً معاكساً. لقد أفرغت ابتسامات أمي كل طاقتها. ولم تستطع الأشجار دائمة الخضرة أن تنقذ الشمس من مصيرها وتعيدها للحياة. ففي يوم انقلاب الشمس الشتائي، قبل ثمانية عشر سنة، دخلت أمي في ليلها الأبدي.

لم تعد تمدّني ابتسامتها بإكسير الحياة. أصبحت أبحث كالمهووس عن مصدر بديل يزوّدني بالطاقة لأيامي الآتية. أصبحت أهيم في الشوارع. أزور كل أشجار الميلاد العظيمة في مدينة نيويورك. أتمشى إلى جانبها لساعات. أمعن النظر بها محاولاً امتصاص شيئاً من أضوائها الوفيرة. كنت آمل بأن تزودني هذه الأشجار الضخمة بالطاقة اللازمة لسنين طوال.

وفي كل مرة أعود فيها إلى البيت من إحدى هذه الرحلات أكتشف للتو كم كنت واهماً. ففي لحظة دخولي وبنظرة واحدة إلى جدار الغرفة اكتشف خيبة أملي. لقد تحول مصدر طاقتي إلى صورة على الجدار. حتى شجرة الميلاد في منزلي أعلنت اضرابها ورفضت أن تخرج من علبتها، إذ لا معنى للأشجار من غير ابتسامها.

ويختلف المؤرخون حول مصدر ومنشأ الشجرة، ولكنهم جميعاً مخطئون. ليس للأشجار دائمة الخضرة دور في طاقة الحياة وحركة الشمس. ولم يكن الأوروبيون أول من زرعوها. لقد بدأت هذه الاسطورة منذ تحول الانسان من الرعي إلى الزراعة.

هناك في أريحا الفلسطينية، وقبل عشرة آلاف سنة ، حيث استقر الانسان لأول مرة وبدأ بتعلم الزراعة، كان هناك صبياً يلهو بالشجيرات. قام بزراعة شجرة ورعاها حتى كبرت. وفي يوم من الأيام حدث أن القمر كان مكتملاً والنجوم تتلألأ فشاهد انعكاس أضوائها على الشجرة وسقط قلبه. وهرع الصبي إلى البيت ليشارك أمه بفرحته وكانت بداية الحكاية.

Advertisements

19 تعليقات على “شجرة الميلاد وابتسامتها

  1. كتابة مليئة بمشاعر فيها عبق القلوب الأصيلة بس بعد اذنك أبو الغس أظن انو عندك خطأ حين قلت (منذ ثمانية عشر سنة دخلت أمي في ليلها الأبدي.) و كان الأصح أن تقول ( (منذ ثمانية عشر سنة دخلت أمي في نهارها الأبدي.) فنحن نعيش بين نهار وليل أما هي فإنها الآن تحيا بنور أبدي و أمثالها هم من يصلّون لنا في حضرة الملائكة الأبرار +++

  2. كتاباتك اكتر من رائعة وأعمق من كلمة مؤثرة .بشكرك عطيتنا الفرصة نشاركك احاسيسك وذكرياتك .نحنا دائماً ناطرين المزيد .تنعاد عليك بالخير والصحة وراحة البال

  3. أبو الغس….اول مرة قرات المدونة ما قدرت كملها بس تاني يوم كملتها…حلوة وحزينة . بتعرف انو انا حياتي ما عرف كل اللي انكتب ولا تذكر موضوع اي شيء عن الشجرة ببيتنا يمكن لاني كنت صغيرة، على عكسك كنت حس انو نحط الشجرة بالعيد واجب وممل بالنسبة لي… بلشت استمتع فيه لما صرت حط الشجرة لينبسطوا اولادي او لحتى حسس عيلتي الصغيرة بجو العيد ومعناه…
    في بعض الاحيان بحسدك على ذكرياتك لاني لا املك كتير ذكريات ….واحيانا بحس اني بنعمة لانو ما عندي ذكريات متلك…
    كتابتك دايما مؤثرة وصادقة وحلوة…..على قد ما حلوة على قد ما حزنتني…..

    رانيا

    • كتبتِ: “بلشت استمتع فيه لما صرت حط الشجرة لينبسطوا اولادي او لحتى حسس عيلتي الصغيرة بجو العيد ومعناه”. يعني كنتِ تنبسطي بالشجرة اللي كنت أنا حطا. كشفتِك.

  4. اه كم هي جميلة و معبرة و مؤلمة هذه الذكريات خاصة في ذكرى وفاة امي الغالية واللتي لا تغيب عن البال مهما طال الزمن لقد ابكيتني في هذا الصباح المشرق وكل سنة وانت سالم وتبدعنا بكتاباتك اكثر٠

  5. كل عام وانت بالف خير ابو الغس،،،قريتها الصبح ورجعتني لذكريات بيتنا بايام الميلاد،،،، بعرف انك حطيتها بالذكرى السنوية للماما،،،الله يرحمها وفعلا متل ما بيقولوا بالقداس ذكراها مؤبد…الله يبعتلك ايام حلوة مضيئة متل شجرة ميلاد بيتنا…

  6. يعني الصراحة كأنك عم تحكي عن مشاعري. شي مؤلم لما الواحد منا يكون بالغربة وتمرق الأعياد والأيام خاصة عيد الميلاد لي ما بيحلا اللا بوجود العيلة. أنا هيك كل ما بيجي عيد الميلاد بحط شجرة لولادي بس برجع بهرب من البيت تا ما ضل فكر . بنزل ع سيدني تا اطلع عال شجرات المزينة واسمع أناشيد وع قد ما الجو حلو والأعياد حلوة هون ع قد ما بحس بالغربة والحنين للأهل.نشالله بينعاد عليك يا غسان بالخير والصحة …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s