في غفلة ملاك الرحمة

كان يوماً عادياً، كمعظم الأيام. أذهب في الصباح إلى المشفى لأعاين بعض المرضى وأراجع بعض فحوص الصدى (إيكو). وبين هذه وتلك، أقوم بإجراء فحوص الجهد لبعض المرضى. كان كل شيء يسير بإنتظام. لم أكن أتردد. كنت أعرف جيداً ماذا يجب أن أفعله وكنت أقوم به بثقة عالية. إن واحدة من أهم ميزاتي في مجال الطب هي الثقة بالنفس. كنت أدرك بدقة متناهية ما يجب وما لا يجب أن يُفعل. وحين تعترض طريقي الصعاب كنت جاهزاً لمواجهتها مهما كانت. وفي أغلب الأوقات، كنت أتفوق عليها، مما يثير فيّ العزة بالنفس. لم يكن إعتزازي بها ضرباً من النرجسية، بل هو تعبيراً عن شعوري بأني قد فعلت شيئاً نبيلاُ، ألا وهو مساعدة مريض وقيادته إلى شاطئ الأمان.

وبعد إنتهاء عملي في المشفى إتجهت إلى عيادتي الخاصة لأعاين بعض المرضى في ذلك اليوم المشؤوم. كانت الأمور كعادتها تجري بإنتظام إلى أن دخلت عليّ السكرتيرة لتقول لي أن رئيس شرطة البلدة قد جاء ليراني. كان هذا الشرطي مريضاً عندي وقد عاينته عدة مرات. لم يكن هذا يوم موعده فأستغربت حضوره. فقالت لي أنه هنا لأمر آخر.

رحبت بالشرطي في مكتبي الصغير وسألته عن غرض الزيارة، فما كان منه إلا أن قدّم لي رسالة مغلقة وقال: “إنها لك”. أمسكت بالظرف ونظرت بسرعة إلى إسم المُرسِل: (المحكمة العليا في نيويورك). فقلت بأستغراب: “ما هذا؟” فقال لي: “إنها إستدعاء من المحكمة لحضور المحاكمة”.

شعرت بخوف رهيب ومن غير أن أدرك شيئاً، فكرت: (هل جاء ليعتقلني؟). لم أفهم ما الذي يحدث. لم يمر معي موقفاً مشابهاً من قبل. فسألته: “ولماذا جئت بها أنت؟” فقال لي بأنه إجراء عادي. فمن عادة المحاكم أن ترسل مثل هذه الإستدعاءات مع رجال الشرطة لتضمن وصولها إلى أصحابها. فقط لا غير.

إطمأن قلبي قليلاً. وسارعت إلى فتح الرسالة لأعرف ما فيها. وتفاجأت بأن أحد المرضى الذين عالجتهم في الماضي قد رفع دعوة ضدي. لم أصدق عينيّ، فقرأتها مرتين. أصابتني حالة من الذهول وكأن عاصفة قد صعقتني. وأخذت كالملسوع أسأل الشرطي: “هل أصاب المريض أذى؟ هل هو على قيد الحياة؟ ما هي إصابته؟”. أجابني الشرطي بهدوء: “لا أعرف”.

كان الشرطي ودوداً جداً فهو يعرفني جيداً لأني طبيبه. شعرت للحظة بأنه يحاول أن يخفف عني ونصحني بأن أتصل بمحاميّ الخاص. وبعد دقائق، ذهب مع رفيقه وبقيت وحدي في مكتبي.

بدأت شيئاً فشيئاً أستفيق من صدمتي وأستعيد أعصابي التي إنهارت. وبدأت بإجراء بعض الإتصالات لمعرفة ما حدث. وتحدثت إلى المحامي المكلّف بالقضية وأعطاني فكرة ملخصة عنها وقال أنه سيرسل إليّ بالملف لأراجعه. لم يستطع إعطائي الكثير من المعلومات على التلفون لأن القضية ما زالت حديثة.

لا أعرف كيف أنهيت عملي في ذلك اليوم، لكني أذكر جيداً لحظة خروجي من المكتب. كانت الشمس لا تزال ساطعة. كان مكتبي يقع في منطقة من أجمل مناطق أمريكا. الأشجار وارفة الخضرة تملأ الوديان والتلال. السهول الخصبة مليئة بالأزهار الجميلة. النسيم العليل ينعش الروح ببرودته اللذيذة. البيوت الملونة تزين هذا المنظر البديع وكأن ريشة عاشق قد رسمت كل هذا الجمال.

في ذلك اليوم، مشيت بإتجاه سيارتي كرجل آلي. إختفت الأرض من تحت أقدامي. كنت على وشك السقوط. أعتقد أني سقطتُ. لكني لملمت نفسي التي تناثرت فوق الإسمنت. كانت مفاصلي تحملني. لا! لا أعتقد أن مفاصلي كانت معي. كان الضباب يلفّني. يحيط بي كغمامة شتاء. لم أعد أرى شيئاً. هل وصلت إلى البيت؟ ومتى؟ لا أذكر. لقد دخل الزمان في متاهة وغاب المكان عن الوجود.

ودخلت في الكآبة. لم تكن هذه المرة الأولى لي في الكآبة. لقد مررت بها في العديد من المرات خلال حياتي. كانت تزورني مرة كل سنة أو سنتين. كنا نمضي معاً أياماً وأيام. نشرب القهوة الصباحية سوية ونتسامر حول كأس الخمر في المساء. نلعب النرد أو الورق على أصوات الخالدين. كنت أحياناً أشتاق إليها إذا طالت غيبتها. كانت خليلتي في وحدتي الطويلة القصيرة.

لكن في هذه المرة لم تكن الكآبة سميري وخليلي الذي اشتاق إليه. لقد تحولت إلى وحش كاسر وكشرت عن أنيابها وإبتلعتني. هشمت عظامي بين أسنانها وأذابتني بلعابها الحامضي ورمتني كقفة زبالة في زاوية الغرقة. على غير عادتي، هذه المرة لم أستطع أن ألملم أشلائي كما كانت. لقد فقدت القدرة على تمييز الأشلاء ومواقعها.

كيف يمكن أن يحدث هذا لي؟ ماذا فعلت في حياتي لأستحق هذا البؤس؟

وبدأت الأمور تتجلى مع الايام. لقد كان مريضاً عاينته قبل ثلاث سنوات وأجريت له عملية القثطرة القلبية. لم أتذكره على الإطلاق. فبحكم عملي أنا أجري هذا الفحص للعديد من المرضى كل اسبوع. والكثير منهم لهم طبيبهم الخاص الذي يتابعهم فيما بعد فيغيبون عن ذاكرتي تدريجياً. وكان أن حصل إختلاطاً لهذا المريض بعد العملية. وهو الآن قد رفع دعوى ضدي وضد طبيبه الخاص و ضدالمستشفى وحتى ضد الطبيب المتمرن الذي كان معي خلال العملية.

قبل هذه القضية، لم أكن أعر الكثير من الإنتباه للمقالات التي تتحدث عن القضايا المرفوعة ضد الأطباء. كنت أظن نفسي معصوماً عنها لأني أعرف ماذا أفعل وأن أحداً من مرضاي لن يقيم دعوى ضدي وخاصة أني أعاملهم بإحترام وأحرص عليهم كحرصي على نفسي. لست أنا الذي يعرّض المريض لأية خطر لهدف مادي أو لغرض غير شريف. كنت واثقاً من نفسي إلى أبعد الحدود. وحين أدخل في نقاش مع أصدقائي عن هذه المشكلة العويصة في الطب، تجدني مدافعاً عن المريض الذي تعرض لأذى غير ضروري بسبب طمع الطبيب أو جهله أو سوء نيته.

وبدأت أتابع الأخبار وأقرأ المقالات التي تتحدث عن هذه المشكلة، وكلما قرأت أو سمعت عن حادثة مماثلة يزداد إحساسي بالغبن والظلم. لقد قمت بما يمليه عليّ الواجب تجاه هذا المريض. إن إجراء القثطرة كان ضرورياً في حالته رغم المخاطر المترتبة. بل أكثر من ذلك، فلقد تابعنا معالجة الإختلاط بشكل صحيح وكما تنص عليه الكتب الطبية. بمعنى آخر، قدمنا للمريض أفضل ما يمكن أن يقدمه الطب لمريض في حالته. وكلما تقدمت الأيام أزداد شعوراً بأن هذه القضية باطلة.

لكن كل هذا لا ينفع الآن. لقد حطمت هذه القضية كبريائي وثقتي بنفسي، ووضعت غمامة على عيني، فأصبحت أرى الاشياء بمنظار آخر. لم يعد الذهاب إلى العمل مصدر سعادة بعد أن كنت أعشقه. أصبحت أشعر وكأن جبلاً هائلاً يقبع فوق صدري كل صباح يمنعني من النهوض من الفراش. أشعر بالأثقال تكبل قدماي لتمنعني عن الذهاب إلى العمل. لم أفقد المتعة بالحياة فقط، بل فقدت الإهتمام بها على الإطلاق.

وفي العمل، لم أعد كما كنت. أصبحت أحسب ألف حساب. فقدت ثقتي بنفسي حين أتخذ قراراً بشأن مريض. أصبحت ألجأ إلى أفضل الأساليب التي تحميني في المستقبل في وجه قضية مماثلة. لم أعد حراً بإتخاذ القرارات التي أعتقد أنها صحيحة لمجرد صحتها. بل دخل عامل آخر وهو الخوف. وفكرت بشكل جدي في ترك الطب نهائياً. لقد أصابني الخزي والعار. لكن هذا القرار لم يكن سهلاً لأمور عدة. فتابعت ممارسة الطب، لكن مع غياب الروح.

لقد طالت كآبتي هذه المرة أكثر من أية مرة سابقة. أصبحت أفكر كثيراً في مسألة الخير والشر في عالمنا هذا. كان إختياري في الحياة دائماً الخير، وبحكم هذا الإختيار كان لا بد من أن أصطدم بالشر أحياناً. لكن ما العمل حين يعجز الخير عن إيقاف الشر ومنعه من الإنتصار.

مع مرور الأيام والسنوات، أصبح خوفي من هذه القضية يتحول إلى كوابيس. رغم قناعتي الكاملة بأني بريء، إلا أن إحتمال الخسارة وارد أيضاً. ما أنا بفاعل عندئذ؟ إن خسارتي تعني نهايتي ليس كطبيب فحسب بل كإنسان أيضاً. كانت الأفكار السوداوية تملأ رأسي. ورغم تطمينات المحامي الجديد الذي إستلم القضية لم تغب المخاوف من نفسي. وأصبحت تسبب أرقاً دائماً لي. ورغم أن شركات التأمين تغطي معظم النفقات، لم يغب عن بالي بعض الحالات التي أدت إلى إفلاس الطبيب وخسارته كل ما يملك. كنت أدرك أن خوفي مبالغ به لكن من يضمن لي أن الأمور ستنتهي بخير وأنا قد فقدت ثقتي في كل الاشياء.

وجاء ذلك اليوم، بعد حوالي أربع سنوات وبضعة أشهر من يوم دخول الشرطي إلى مكتبي، كنت أحضر فيه مؤتمراً طبياً في مدينة واشنطون. كان يوماً عادياً من أيام المؤتمر. حضرت عدد من المحاضرات وقابلت عدداً من الأصدقاء الذين لم أرهم منذ زمن طويل. وأحدهم كان ذلك الطبيب المتمرن الذي كان معي خلال عملية القثطرة. كنت سعيداً لرؤيته فأنا لم أره منذ أكثر من ست سنوات.

في نهاية اليوم خرجنا سوية مع أحد الأصدقاء إلى شوارع المدينة حيث فاجأني بقوله ومن دون أي إنذار: “أنا سعيد هذه الأيام بإنتهاء القضية”. سقط الخبر عليّ كالصاعقة وقلت مستفسراً: “ماذا تقصد؟” فأجاب بإبتسامة وثقة: “ألم تعلم بعد؟ لقد أسقط المريض الدعوى.” لم أفهم تماماً ما قصد، فسألته مجدداً معبراً عن إستغرابي. عندئذ شرح لي أنه إستلم رسالة من المحامي تقول أن المريض قد سحب القضية وأنه تراجع عنها نهائياً وأن رسالتي قد تكون في طريقها إلى عنواني الآن.

شيء غريب لم أفهمه حصل في تلك اللحظة. وقفت كالصنم. لم تخرج إبتسامة أو ضحكة واحدة. لم تذرف دموعي أو ترتجف يداي. لقد شعرت في داخلي برغبة لقول شيء أو حتى الصراخ. لم أكن أتصور أن سنوات العذاب هذه ستنتهي بمثل هذا الجمود الصخري. لم أدرك حجم الهزيمة في قلبي إلا حين إفترقنا. كنت معتاداً أن أقضي أمسيات المؤتمر في أحد المطاعم أو النوادي الليلية أو في زيارة أحد معالم واشنطون. لكني وجدت نفسي أمشي بخطى بطيئة متجهاً إلى غرفتي في الفندق مطأطأ الرأس.

كان على هذا اليوم أن يكون أسطورياً. يوم الخلاص الأبدي. يوم قيامة الموتى أو صعود الأنبياء. كان على خروجي من هذه القضية أن يكون أشبه بصعود سفينة نوح يوم الطوفان أو ركوب سفينة فضائية يوم يرتطم نيزك هائل بالأرض. لقد مر الخبر عليّ كمرور نحلة على وردة فواحة. لقد إرتشفت كل العطر مني ورمتني وردة ذبلاء.

 أحسست وكأن قبضة فولاذية تقبض على قلبي وتمنعه من الإنبساط.  يريد أن ينطلق ويغرد في سماء الفرح. لكن القدر شاء أن يكدّس الهموم فوقه ويكبّله بسلاسل الشر البغيضة ويمنع عنه السعادة حتى في يوم زفافه.

دخلت غرفتي في الفندق وجلست على كرسي مقابل النافذة. أخذت أراقب المدينة تدخل في نومها العميق وأنا أمنّي النفس بالنسيان. نسيان سنوات العجاف الماضية.

 لكن .. هيهات

Advertisements

18 تعليقات على “في غفلة ملاك الرحمة

  1. يكون الجرح عميقا بقدر ما نعطي بصفاء وامانة
    الشر موجود كما الخير وفهمنا لاسباب وجوده يساعدنا على الخلاص
    جميلة لغتك ابو الغس

  2. نسيت ان اقول ان ثقتك بنفسك ما زالت قوية او هكذا يجب ان تكون…هل لنا ان نقيم تاريخنا وعلمنا وشخصيتنا بسبب نزعة او هفوة
    رجل قد يكون مريض نفسي او طالب مال…وهؤلاء ما اكثرهم وانت ادرى

  3. لا بد من خرازة النار لإختبار الذهب !!! مع ذلك فالذهب يبقى ذهبا ……….
    هذا اليوم لم يكن أسطورياً لأن الخير الذي بداخلك كان يعرف جيدا بأنه الأفوى

  4. الصراحة يا أبو الغس مو عرفانة شو بدي قول القصة حلوة وحزينة لانو ايام الواحد بيركبه النحس او الحظ السيء …وللاسف الشخص الشريف والنظيف واللي ماشي دغري من اكتر الناس عرضة للحظ السيء لانو بيتخيل الدنيا كاملة ونظيفة بس الحقيقة مو هيك….. ما بعرف شو كتبت بس الاسلوب حلو وسلس….مع حبي الكبير لك رانيا

  5. كلام جميل ومؤثر والتعليقات رائعة كمان، يمكن رغبة الانسان الجامحة بأن يكون عمله مثالي وشبه كامل تجعل الرد السلبي عليه بمثابة النهاية. صلحلي اذا كان تحليلي غلط ابو الغس

  6. لا ألومك أبداً على ما شعرت به!! شعرت به بنفسي لبضع دقائق حتى انهيت قراءة المقال !!! الله يسامحك ، خوفتني !!! أنا مسرورة جداً للنهاية السعيدة، كل من يفعل خيراً للأخرين يجده لنفسه ..

  7. لكنني ذكرت “بمثابة النهاية” وليس “النهاية” وقصدي كأنها أوتشبه النهاية. بيطلعلك كتير تصلحلي حكيم لأنو كنت ولا زلت منكم أستفيد.

  8. الانسان مهما تعرض لقساوة البشر يجب ان يبقى واثقا من نفسه . ان هذه القضية يمكن ان تكون مفيدة لانها تبين انه يوجد في هذا العالم أناس ( بل حيوانات) وكم هم كثر . والحمد لله على النهاية السعيدة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s