وما تبقى من حب

كان يوماً جميلاً من أيام  ربيعي الخامس عشر وكانت المناسبة جميلة والناس فرحين. كنت ألهو وأمرح مع أصدقائي حين تسلقت الحائط الصخري وجلست على حافته أمتّع ناظري بجمال الكون من علِ. وفجأة، تطل عليّ. جاءت بخطوات سريعة بعض الشيء وكأنها قد تأخرت على ميعادها. كانت ممشوقة القامة، نحيفة القد وتعلو وجهها الأبيض المدوّر سحنة بسيطة من الإحمرار. كان شعرها الاسود السابل لا يكاد يصل إلى الكتفين وكانت غرتها تغطي شيئاً من جبينها. وكان فستانها الأزرق السماوي الطويل يغطيها حتى القدمين، نحيفاً على خصرها وعريضاً في الأسفل، محاطاً بكشكش جميل.

يا الله! ما هذا؟ هل يوجد مثل هذا الجمال على وجه الأرض؟ لقد كنت أظن بأن مثلها لا وجود له إلا في قصص العصور الوسطى الرومانسية أو في قصص الأميرات الجميلات كسندريللا أو حسناء الثلج.

وجدت نفسي وقد تسمّرت نظراتي عليها وهي تمر مسرعة من جانب الحائط وتختفي بين الممرات. لقد رأيتها لثوان، لكني شعرت بأني أطير من على الجدار لأحط فوق كتفها وأزقزق في أذنها: (أنا هنا .. لاحظيني .. إرمي ولو نظرة واحدة علىّ ..)

ووجدت نفسي أتابعها بنظراتي علّي أرى فردة حذائها الساقطة. أشم عبيرها فقد أستدل عليها بين الأزهار. شعرت برعشة لذيذة تسري في قلبي لتمحو كرب الأيام وتنقلني إلى عالم سحري مليء بالنجوم واللآلئ.

لم أعرف في حياتي، وأنا في غسّان الصبا، مثل هذا الإحساس الجميل. هل هذا هو الحب؟

لم يكن من الصعوبة الإستدلال عليها. ما عليك إلا أن تتبع أسراب النحل، فكل يريد رشفة من أريجها اللذيذ. رأيتها مرة أو مرتين في ذلك اليوم، ثم عادت وإختفت في الزحام.

ومرت الأيام. لم أرها لفترة طويلة. لكنها دخلت إلى أحلامي وقلبي. كنت أمنّي الروح برؤيتها مجددداً ولو لثواني. لكن هيهات! إلا أن صورتها لم تبرح مخيلتي. كنت أحاول أن أتقصّى أخبارها دون السؤال المباشر عنها. وعلمت مع الأيام بأنها في نفس مرحلتي الدراسية. أصبحت أترقب مرورها بفارغ الصبر. وطال الإنتظار.

مر حوالي العام. وفجأة، ظهرت في الأفق. كانت ترتدي بلوزة وبنطال. لم تغير تسريحة شعرها، لكن جمالها كان قد إزداد أضعافاً. هل شعرتُ بذلك لأني حُرِمتُ من رؤيتها لفترة طويلة؟ أم أن مرور الأيام يزيدها تألقاً؟

ومرة أخرى، عاد الإحساس الجميل إلى قلبي. لم أملك الجرأة لأقترب منها وأتحدث إليها. هل هو الخجل؟ هل هو الخوف؟ كنت أشعر برغبة جارفة لأن أُسلّم عليها. لكني إخترت الإبتعاد. وتابعَت هي مسيرتها بثقة، غير عالمة بقلب يتلوع شوقاً إلى لقياها.

رأيتها في العام التالي لعدة مرات، لكن في كل مرة يتكرر الموقف ذاته. رغبة جامحة للإقتراب منها وخوف رهيب من الحرج ونظرات الناس. ولأني تعلمت الهروب منذ زمن طويل، إخترت الهروب مجدداً. لكن في هذه المرة هربت إلى الروايات الرومانسية القديمة. لم يكن عندي أدنى شك بأن الحب قد دخل إلى قلبي من بابه العريض، وأصبح يؤرقني في نومي أحياناً. أخذتُ أرسم في مخيلتي لحظة اللقاء الحلم وكنت أخشى في صميم نفسي أن هذه اللحظة لن تأتي أبداً، فأنا حتى الآن لم أتفوه بكلمة واحدة معها. بل إني لست متأكداً من أنها نظرت إليّ ولو نظرة واحدة. ربما لم أكن موجوداً بنظرها.

ودارت الأيام، ودخلتُ الجامعة. بدأت مرحلة جديدة من حياتي وشرعت أتعرف على أناس من مختلف التوجهات والإنتماءات. وكان من غرائب الصدف أنه في الأسبوع الأول من الدراسة تعرفت على فتاة معي في الكلية، تسكن ليس ببعيد عن بيتنا. وأتفاجأ بأنها تعرف الفتاة التي أحب وأنها من صديقاتها في الصف. لم أصدق هذه الصدفة. لم أقل لها بالطبع عن مشاعري لكنها قالت لي بأنها قد دخلت الجامعة معنا وكليتها ليست ببعيدة.

وفي يوم من الأيام، كنا نتمشى، زميلتي الجديدة وأنا، وقادتنا أقدامنا إلى الكلية المجاورة. كان قلبي يتمنى رؤياها، لكني لم أتوقع شيئاً، فقد علمتني الأيام الحذر حتى في مشاعري. وبينما كنا نتمشى هناك، شعرتُ بخفقة قلب قوية. أحسستُ بأن الزمن قد توقف تماماً وأن الكرة الأرضية قد حولت دورانها إلى مدار آخر بشكل مفاجئ. كدت أفقد توازني. وأخيراً، حدثت الصدفة السعيدة، وكان اللقاء الأسطوري.

كعادتها، كانت ترتدي بلوزة وبنطالاً وكانا هذه المرة أبيضيّ اللون. وجهها كان يزدان أنوثة. لقد تخلت عنها طفولتها وتحولت فجأة إلى إمراة. لاقتنا والبسمة تعلو محياها. لم أرها بمثل هذا الجمال من قبل. وأخيراً، سمعت صوتها لأول مرة في حياتي. دغدغت كلماتها أذني كما يداعب النسيم أوراق الشجر. دخلَت روحها الظريفة مسامات جلدي وتغلغلت في أوصالي. أنعشت ما قد مات من نفسي. وأعادت الحياة إلى كل مفصل من مفاصلي.

عرّفتُها بنفسي وبدأنا الكلام. كان الحديث عامّاً، ليس فيه ما يلفت النظر. أو ربما كان حديثاً تافهاً. ومن المحتمل أني كنت اقول شعراً. لا أدري. لم أعِ الكلمات ولم أبالي. كان يكفيني أني أقف إلى جانبها، نتبادل الإبتسامات الحلوة.

لم أعرف كم مر من الوقت. لم أكن أحسب للزمن قيمة في تلك اللحظة. ربما دام ثوان. ربما سنوات. كنت أشعر بأني أولد من جديد. لكني في هذه المرة، أولد نحلة ترشف من عبيرها ما يحلو ويطيب. وإنتهى اللقاء، وتواعدنا على اللقاء مجدداً وذهبنا كل في طريق.

إزدانت أيامي بها، وبدأت السعادة تقضي بعضاً من الوقت معي. حين كنت ألتقيها، كانت تغسل هموم الأيام التي مرت من دونها. تكررت لقاءاتنا وكنا نجلس معظم الوقت على أعشاب حدائق الجامعة وبين أزهارها. لم نكن نتبادل الحب. كنا فقط نتبادل الأحاديث العامة. تحدثنا عن كل الأشياء، إلا عن الحب. بدأتُ أعرف أشياء كثيرة عنها. كانت هادئة وخجولة ورزينة. حتى حين تضحك، كانت ضحكتها خجولة، وكأنها تخاف من غدر الزمن إذا ما ضحكت بصوت عال.

كانت مثلي حزينة. كنت أقرأ في عينيها رغبة جامحة إلى الإنطلاق لعالم الحرية الرحيب. لكن الخوف كان رديفها. لم يكن لديها أصدقاء كثر حتى في الجامعة. ونادراً ما رأيتها مع أحد حين آتي للقائها. وكنت حين أقترب منها أراها وحيدة غارقة في أفكارها، يعلو وجهها حزن رزين. وحين تراني، تعلو محيّاها إبتسامة حلوة تشعرني بأنها سعيدة للقائي. لم تكن سعيدة بحياتها، فأهلها من المحافظين وابوها صارم جداً. كنت بقدر ما أشعر بالحب نحوها، أشعر بالشفقة والخوف عليها. لم نكن نلتقي كثيراً خارج أسوار الجامعة لكن أحياناً كنا نتنزه بين الكلّيات في طريقنا إلى البيت. وكان اللقاء ينتهي حين تأخذ الباص ذاهبة إلى بيتها.

لم أفكر يوماً بأن أصارحها بحبي. كنت أخشى إن فتحت لها قلبي بأن أخسرها إلى الأبد. رغم قربها مني وإبتسامتها التي تحمل الكثير من المودة كنت أشعر بأن المسافات بيننا شاسعة وأنه يفصلنا رواسب إجتماعية أقوى من قدرة عاشقين شابين على تجاوزها. ومع مرور الأيام يزداد حبي لها ويشتد خوفي من أن لا أراها مجدداً. هذا الزمن لا يرحم وهذه الزهرة الحلوة لا بد أن تُقطف يوماً ما، خاصة  وأن طالبي القرب يتكاثرون من حولها.

كان حبها يؤرق نومي. أذكر تلك الليلة، وكان القمر فيها بدراً، كيف جلست في سريري أكتب قصيدة عنها وعن حبي لها. كانت أولى محاولاتي في كتابة الشعر، أو هذا ما كنت أسميه. لقد أيقظت فيّ مشاعراً لم أعرفها من قبل. لم تعجبني القصيدة حين قرأتها في اليوم التالي. لم تعط القصيدة حبيبتي حقها. فما كان مني إلا أن مزقتها. لقد أردت لقصيدتي أن تكون كبيرة بحجم حبي لها.

ومرت الأيام وتحقق خوفي. لقد جاءها عريس ووافق الأهل عليه. والغريب في الأمر أنها لم تخبرني هي نفسها. بل جاءني عبر إحدى صديقاتها. شعرت بأنها وافقت عليه إرضاءاً لأهلها وهي غير مقتنعة تماماً به. هذه هي حال الكثير من الفتيات في شرقنا البائس.

نادراً ما ذكرَتْه لي وإذا فعلَت، بدَت وكأنها تقرأ خبراً في جريدة. كنت أشعر بحرجها إذا ما سألتها. لذلك قررت أن لا أتحدث عنه في لقاءاتنا التي إستمرت لأكثر من عام من إعلان الخطوبة.

بدأت لقاءاتنا تفتر مع الأيام وأصبحت الفترة تطول بين اللقاء والآخر. لم يكن الحزن السمة الوحيدة التي تجمعنا بل أكتشفت بأنه تجمعنا سمة أخرى هي الهروب. كانت تعرف أنها لن تستطيع الوقوف في وجه الناس من حولها والدفاع عن حقها بالحياة والحرية. وربما تعبت من العراك معهم.

وأما أنا، فبدلاً من أن أبحث عن الأسباب للإفصاح لها عن حبي وأن أقدم لها يداً تعينها على شق طريقها نحو المستقبل، كنت أبحث عن الأعذار التي تدفعني للهروب أكثر. هل خذلتها بصمتي؟ هل كانت تحبني إلى الدرجة التي ستقاتل الناس من أجلي، أم أنها كانت تبحث عن مجرد صديق وأخ بلقاءاتها معي؟ هل كانت تبحث عن جليس ودود و أذن صاغية؟ هل عرف الحب الطريق إلى قلبها، أم أصابت قلبها آفات الدنيا إلى درجة النسيان؟

الحقيقة الوحيدة التي أعرفها هي أنها كانت سعيدة وأنا بجانبها وأني أحبها أكثر من نفسي.

ومرت السنوات. خمس ونيف منها. وكما دخلت على حياتي في ذلك اليوم الجميل مع خلجة، خرجت منها مع خلجة أخرى. كان لقاءنا الأخير في أمسية رقيقة. تحدثنا خلالها بالترهات. لم يعد هناك ما يقال. تمنيت لها السعادة وإنسحبت  بهدوء.

أردت أن أشكرها لوجودها في حياتي ولهذه اللحظات الجميلة سوية، أن أقول لها بأني لن أنساها ما حييت. لقد كانت بالنسبة لي نفحة لذيذة من هواء منعش كنت بأمس الحاجة إليه في وحدتي وظلمتي. أردت أن أركع أمامها وأقبل يديها وأطلب منها السماح إذا جرحتها بكلمة أو لفتة أو زهرة. لقد كنت أعاملها كمزهرية ناعمة، أحرص عليها كحرصي على روحي.

تركتها وإنسحبت وفي نفسي غصة عميقة. ماذا لو لم يكن الصمت دائي الأزلي؟ ماذا لو صرحت بحبي لها وتحدثنا بصراحة عن أحاسيسنا؟ هل كان هذا سيغير الأشياء؟ هل كنا سنرسم طريقاً أجمل أم أن الطريق سيصبح مليئاً بالمطبات؟ أحياناً أشعر أن الصمت داء وأحياناً دواء. لكن لولا هذا الصمت الرهيب لما عشت أبد الدهر أحلم بها وأبحث عنها في كل مكان و زمان.

أبحث عنها في الصور الجميلة وبين الحقول. أشعر بوجودها في كل المسامات. تخطر إبتسامتها ببالي في كل لحظات النهار، وتنام في الليل إلى جواري كالحلم الجميل. أراها تمشي بين الأزهار، متلهفة للقاءنا الوردي ولجلستنا الوديعة فوق الأعشاب. وتغمرني السعادة للحظة، فأغمض عينيّ.

وأفتح عينيّ فلا أرى إلا السراب. وأتساءل: إلى متى؟ ألم يحن موعد النسيان؟ هل كُتِب عليّ أن أعيش في ذكراها إلى أبد الآبدين. كيف يمكن للإنسان أن يعيش في الحلم المستحيل؟ إلى متى سيظل القلب يئن من الحنين؟ وأين تجد النفس راحتها وتبحث عن البديل؟ كيف أصبحت إمراة إسطورة فأخذت معها الشباب كله؟ تساؤلات كثيرة تبحث عن جواب.

وأنا ما زلت أبحث عنها في تفاصيل الأشياء وملامح البشر. أبحث في الوجوه وفي العيون وفي الكلام. أبحث وأنا مدرك إستحالة الأمر. فلقد أمحت حبيبتي من الوجود جميع النساء.

*****

ملاحظة: “غسان” تعني “ريعان” وبالتالي “غسان الصبا” تعني “ريعان الصبا” (أو “عز الشباب” إذا حبيتو)

Advertisements

16 تعليقات على “وما تبقى من حب

  1. غسان القصة حلوة كتير ورومانسية وحزينة بنفس الوقت، ولاول مرة بعرف شو معنى غسان…لساتك بعز شبابك
    اما بخصوص الوصف وشرح الحالة كان عميق وحلو..رانيا كرياكي

    • إليك معاني كلمة غسان حسب معجم “لسان العرب”: 1- يقال: لستَ من غَسَّانه ولا غَيْسَانِه أَي من ضَرْبِه. 2- لستَ من غَسَّانِ فلان وغَيْسانِه أَي لست من رجاله. 3- رجل غَسَانيٌّ: جميلٌ جدّاً. 4- أَبو زيد: لقد علمتُ أَنَّ ذاك من غَسَّانِ قلبك أَي من أَقصى نفسك. ويقال: كان ذلك في غَيْسانِ شبابه أَي في نَعْمَةِ شبابه وطَراءتِه. والغَيْسان: حِدَّة الشباب. 5- غَسَّانُ: اسم ماء نزل عليه قوم من الأَزْدِ (من شعوب اليمن) فنُسِبُوا إليه، ومنهم بنو جَفْنَة رَهْطُ المُلوكِ. وغَسَّانَ: ماءٌ بين رِمَعَ وزَبيدَ (في اليمن)، من نَزَلَ من الأَزْدِ فشَرِبَ منه، سُمِّيَ غَسَّانَ، ومن لم يشربْ، فَلا. 6 – غَسَّان: قبيلة من اليمن، منهم ملوك غسان.

  2. لا اعرف ان كانت محظوظة بهذا الحب ام لا…كل ما اعرفه انها كانت تستحق ان تعرفه ..وتستحق انت ان تبوح به.

    جميل………

  3. Very nice story. Your eloquence helps ameliorate the reader’s disappointment with the sad end. Thank you for sharing . It takes a lot of courage to share such deep emotions. Best wishes

  4. أخيرا عرفت انك لسه عم تفكر فيي. بكل الأحوال وصفك لمشاعرك الجميلة أكثر من رائع ….شكرًا. امتعتنا القراءة

  5. هروب، خوف، نسيان، تهرب، خجل وابتعاد على قد ما القصة حلوة ورومانسية وحقيقية على قد ما وقفوني هالكلمات
    هي الشغلات اللي مجتمعنا علمنا ياها تعلمنا نهرب من الحب حتى ما ننجرح نهرب من الحوار حتى ما نخسر بعض علمنا نعيش بوجه ماله علاقة بفكرنا وفكر لا علاقة بقلبنا … فصرعنا عند كل موقف نخسر اللحظة لنعرف قلبنا ولا عقلنا ولا لساننا هو اللي لازم يجاوب وهيك بيضيع العمر وبتضيع قصص حب كثير كان يمكن يكون الها نهايات احلى بكثير من واقعنا هلق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s