أمسية في ساحة واشنطن

كان يوم خريفي جميل، وخريف نيويورك هو أجمل الفصول عندي. إعتدت أن أطل على المدينة بين الحين والآخر لأمتع ناظري بجمال حدائقها وروعة جسورها الشامخة وأضوائها المتلألئة. أقضي ساعات طوال أتأمل كيف يتفاعل البشر مع هذه المناظر الخلابة، كل على طريقته الخاصة، محاولين أن يسرقوا لحظات سعيدة تغسل هموم الأيام عن كاهلهم.

كثيراً ما كنت أقود سيارتي عبر شوارع المدينة المضيئة، قاطعاً المسافات لأختار مكاناً أقضي فيه ساعات المساء. ورغم كثرة الساحات والحدائق المشهورة عالمياً، كانت سيارتي و في كثير من الأحيان لا يحلو لها الوقوف إلا في ساحة مغمورة بعض الشيء. إنها ساحة واشنطن.

ساحة واشنطن هي عبارة عن حديقة مربعة الشكل وصغيرة نسبياً، إذا ما قيست بحدائق نيويورك، حيث لا تتجاوز أبعادها عن مائتي متر. تقع إلى جانب جامعة نيويورك الشهيرة، وفيها مجسم مصغر لقوص النصر الشهير في مدينة باريس. في وسط الحديقة يوجد مساحة واسعة وفارغة تحيط بها المقاعد الخشبية والرخامية على شكل دائرتين يفصلهما ممشى صغير، ويتوسط الساحة بركة صغيرة ذات نوافير.

في معظم أيام الأسبوع لا تلفت هذه الساحة الأنظار. فروادها غالباً ما يكونون من سكان الحي أو طلاب الجامعة في أوقات الفرصة أو مجرد عابري سبيل. أما في عطلة نهاية الأسبوع فإنها تعج بالناس من كل الأصناف. تنتشر فيها فرق الألعاب البهلوانية والسحرة والفنانين. كما تنتشر الفرق الموسيقية. ويتجمع الناس حول واحدة من هذه النشاطات ليمتعوا أنظارهم أو أسماعهم.

وما يثير إستغرابك لأول مرة هو تعدد أنواع الموسيقى التي يلعبونها. ففي هذه المساحة الضيقة نسبياً قد تجد كل أصناف الموسيقى في نفس الوقت. قد تشاهد فرقة موسيقى ال (روك آن رول) في إحدى الزوايا وهناك في زاوية أخرى تستمع لل (ريثم آن بلوز). قد يروق لك عازف منفرد على البيانو في أحد الممرات بينما تلعب فرقة أخرى موسيقى ال (جاز) في ممر أخر. وإذا كنت محظوظاً قد يتسنى لك الإستماع إلى الموسيقى الإسبانية أو المكسيكية تحت قوص النصر الصغير.

كثيراً ما أتنقل بين الفرق المختلفة وأقضي بعض الوقت مع كل صنف، فأنا بطبعي محب للموسيقى بكافة أشكالهاً. لكن أجمل اللحظات عندي هي بعد أن يحل الظلام. في ذلك الوقت يكون قد ذهب كل البهلوانيين والفنانين وتذهب معهم الفرق الصاخبة ولا يبقى إلا عازفي الموسيقى الهادئة وخاصة عازفي الغيتار، إما منفردين أو مجتمعين. وتحت غطاء الليل يزول الخجل والرهبة و يبدأ بعض الحضور المشاركة بالغناء وحتى الرقص. وتمتد هذه الأماسي حتى منتصف الليل دون الشعور بالملل أو التعب.

في هذا اليوم الخريفي البديع، وصلتُ إلى الساحة بعد حلول الظلام بحوالي ساعة. لم أتوقع الكثير لأنه كان يوم أحد وفي مثل هذا المساء عادة ما يلجأ الناس إلى بيوتهم مبكرين ليحضّروا أنفسهم لأسبوع جديد في العمل أو الدراسة. عبرتُ الحديقة متجهاً نحو الساحة المركزية. لقد كان الهدوء مخيماً بشكل كامل. لكن حين وصلت إلى مشارف الساحة تناهى إلى سمعي صوت شاب يغني منفرداً على الغيتار. كان يجلس على حافة البركة مديراً ظهره لها. وكان يبدو شاباً في مقتبل العمر لا يتجاوز العشرينات من العمر.

لم يكن هناك من عازفين آخرين في كل الحديقة والصوت الإضافي الوحيد الذي كان يعكر هذا الصفاء كان يأتي من صبيين يلعبان على ال (سكيتبورد). ولم تكن الأصوات التي يحدثانها مزعجة، بل على العكس، فقد أضافت لمسة لذيذة إلى هذا الجو.

جلستُ على أحد المقاعد الخشبية الموجودة على أطراف الساحة في مواجهة المغني، على بعد حوالي ثلاثين متراً،  وأخذت بالإستماع. لقد كانت الساحة شبه خالية إلا من عدد قليل جداً من الناس منتشرين في كل الإتجاهات وكل واحد  منهم منشغل بشيء ما، كهذا الشاب الذي كان يعمل على كمبيوتره غير مبال بما يجري حوله، أو ربما كان يصطنع اللامبالاة.

كان المغني يصدح بإحدى أغنيات (تريسي تشابمان) وتتهادى الكلمات: (حبيبتي .. أرجوك عودي إلى البيت .. فهذه الأيام القليلة بدونك مرت كمائة عام). كان يعانق غيتاره بحرارة وكان صوته ينساب عبر الليل برقة وحنان فائقين ليضفي لمسة سحرية على هذا السكون الخلاب.

خلال دقائق، جاء رجل وإمراة وجلسا على أحد المقاعد الرخامية، ليس ببعيد عني، وأخذا يتحادثان بصوت خافت. على مقربة منهما جلس شاباً ليأكل وجبته السريعة وبعد لحظات إنضمت إليه صديقته ليتسامران في هذا المساء الجميل.

كان الهدوء محيراً، فأنا لم أسمع حتى هدير السيارات التى تعبر الشوارع المحيطة بالحديقة. وكان المغني الشاب يتنقل من أغنية رومانسية إلى أخرى. فتارة يصدح مع أغاني ال (سوفت روك) وأخرى مع أغاني ال (بلوز). وحين وصل إلى أغنية (بيلي أوشن) علا صوته مجدداً: (سيكون هناك أغان حزينة تجعلكِ تبكين .. أغاني الحب غالباً ما تفعل ذلك).

لم تعد تفاجئني هذه الأغاني كما كانت تفعل عند مجيئي إلى أمريكا. كنت أظن أن أغاني الحب والحرمان هي من خصائص الشرق. لم أكن أتصور بأن لأمثال أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش أي وجود في هذه البلاد. بل تفاجأت حين علمت بأن هناك كم هائل من الأغنيات الأمريكية التى تتحدث عن الحرمان من الحبيب وعن لوعة الفراق.

ذكرني هذا المغني الشاب بأيام الجامعة في دمشق حيث كان يجتمع الشبان والشابات على موائد السمر ويتبادلون الأغنيات العاطفية. كم كانوا يحملون من معاناة شخصية وشحنات عاطفية يحاولون إفراغها في أغانيهم. لم يكن أحد يبالي بمعاناتهم. بل كان كل هم الحضور أن يستمتعوا بالموسيقى والغناء. لكني في هذه المرة وجدت نفسي أتساءل عما وراء هذا الحزن العميق في صوت هذا المغني.

و بينما أنا سارح في أفكاري جاءت مجموعة مؤلفة من أربعة أشخاص وجلسوا على حافة البركة على بعد أمتار من الشاب. وأخذوا بالدردشة غير مبالين به. وبعد لحظات رأيت فتاة بصحبة شاب تقترب من المغني وتمر من أمامه وتتخذ لها مكاناً على حافة البركة من الجانب الآخر وتجلس على بعد أقل من مترين. شعرتُ بحرج رفيقها الذي أراد أن يجلس في مكان أخر لكنه إنصاع أخيراً إلى رغبة صديقته وجلس إلى جانبها. وتفاجأتُ حين رأيت الفتاة تدير ظهرها إلى المغني وهي تتابع الحديث مع صاحبها وكأن شيئاً لم يكن.

ويتابع المغني غير مكترث بالعالم كله. لقد كان ألمه يزداد وحزنه يكبر مع كل أغنية جديدة. كان يصرخ أحياناً فيمزق هذا السكون الجليل، لكنه هيهات يمزق قلباً واحداً من قلوب الحاضرين. ويتابع مجدداً مع أغنية (مايكل بولتون) ويعلو صوته: (كيف يمكنني العيش بدونك بعد أن أحببتك كل هذا الوقت).

شعرت بنشوة غريبة في هذا الجو الخريفي الممتع. ومع نسمة هواء لطيفة لفحت وجهي أغمضت عينيّ وسرحت في عالم خيالي. كان صوت هذا المغني الجميل ولحنه الرقيق يطير بي على ورقة خريف سقطت لتوها، تترنح بي ذات اليمين وذات اليسار. تحاول الورقة أن تتمسك بالهواء لأطول وقت ممكن.

وفجأة، وقبل أن تحط ورقتي رحالها على الأرض، أستيقظُ على صوتٍ موسيقي حاد، خرق هذا الجمال بلا رحمة.  من ذا الذي يجرؤ على إفساد هذه اللحظة الجميلة؟ مرت بضع لحظات قبل أن أتمالك نفسي من الصدمة لأميز هذا الصوت. إنها آلة ال (هارمونيكا).

لقد كان الصوت صادراً من جهتي اليسرى، حيث جلس رجلان كانا قد وصلا قبل قليل. في البدء عزفا على الهارمونيكا و بعد قليل أخذا يحدثان إيقاعاً معيناً بقدميهما.  و بسبب السكون طغت هذه الأصوات على كل شيء، حتى على صوت مغنينا الشاب وغيتاره. لم يكن عزفهما سيئاً، بل على العكس، كان جميلاً. حتى أني وبشكل لا شعوري وجدت قدميّ تهتز على إيقاعهما. لكن التضارب بين موسيقاهما وموسيقى الشاب كان صارخاً.

شعرت بإرتباك الشاب، فقد سقطت اللحظة من بين يديه. تشتت ألحانه و فقدت إنسجامها وغاب صوته في بئر عميق.

بدا التململ على الحاضرين وشرع الواحد تلو الآخر بمغادرة المكان بهدوء. حتى الجالسين على حافة البركة غادروها دونما إيعاز أو حتى إلتفاتة إلى المغني الحزين. وبعد مرور دقائق، عاد المشهد كما كان حين دخلت الساحة قبل حوالي الساعة. الشاب الذي يعمل على الكومبيوتر ما زال هناك. الصبيان على السكيتبورد ما زالا يلهوان. وها هو المغني الشاب في وسط الساحة وحيداً من جديد.

عم الهدوء مجدداً لفترة قصيرة. لسبب أجهله، توقف صوت الهارمونيكا. حاول المغني أن يستعيد اللحظة. بحث عن لحن جديد، عن أغنية حزينة، لكن أصابعه لم تستجب هذه المرة، وخرجت موسيقاه فجة وغليظة وكان صوته متقطعاً جرشاً. لقد سقطت هذه اللحظة الحلوة كما تسقط أوراق الخريف الملونة.

أردت أن أتقدم من المغني لأطيّب خاطره وأقول له: (هذه هي الحياة يا عزيزي). لكني منعتُ نفسي. مَنَعَني ضميري صارخاً: (كيف تسمح لنفسك؟ ألا يشبهك هذا المغني؟ ألم ترقص قدماك على إيقاع عازفي الهارمونيكا؟ وهؤلاء الحضور، ألم تكن أحدهم؟ ألا تخجل من نفسك وأنت المشهد والشاهد، وأنت القصة والراوي؟). سكتتُ على خجل.

بعد دقائق لملمت أحاسيسي المتناثرة ونهضت من مكاني ومشيت بخطوات مثقلة بإتجاه سيارتي، تاركاً المغني البائس يلملم ما تبقى من أشلائه.

كانت هذه إحدى أمسياتي في ساحة واشنطن. وكم كانت أمسية ساحرة.

Advertisements

8 تعليقات على “أمسية في ساحة واشنطن

  1. كثير ممن أعرفهم يعرفون معنى الحياة و لكن من النادر أن نرى طبيبا يتقن فن الحياة ، و يتلقى بحساسية الجمال بشكله المطلق .

  2. رائعة غسان.. امتعني وصفك.. كما كان يمتعني عبد الرحمن منيف.. في رواياته المشهورة عند وصف المشاهد.. أشجعك على كتابة رواية.. لان اسلوبك ليس اقل من اهم الروائيين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s