لعنة الأسماء

كم كنت أعشق إسمي ..

(غسان) .. إسم جميل .. له جرْس موسيقي حلو .. ينساب فوق الآذان كنسيم عليل ..
يحمل الدفء والحنان إلى القلوب .. ويبعث الأمل في النفوس ..
(الغين) فيه تتدحرج على مسامعك كما يتدحرج غدير في سكون الطبيعة ..
و(السين) تنضم إلى (الألف) لتسبح بك في سماء حالمة ..
بينما تضمك (النون) إلى صدرها وتهدهد لك كي تنام قريراً ..

لم يخطر ببالي يوماً أن أسأل والديَّ لماذا أختارا هذا الإسم بالذات .. لكني كنت أشعر بفرحة مبطنة لأن إسمي كان إسماً جديداً في العائلة ولم يكن تيمناً بأحد أقربائنا .. لا أستطيع تفسير هذه البهجة .. ربما لأن هذا الإسم جعلني أشعر بأن لي شخصية فريدة تختلف عن الآخرين .. لم هذا الإحساس؟ .. ربما لأنه لم يكن أمامي خيارات أخرى لأثبت خصوصيتي وتفردي .. أو كنت أعتقد ذلك ..

هل من حقي أن أتباهى به؟ ..
كيف لا .. وأنا منذ طفولتي وقعت في حبه ..
كنت أشعر بالفخر حين أسمع بأشخاص مشهورين يحملون إسمي ..
كنت أختال عزة حين أسمع بأن أحد ملوك العرب القدامى كان إسمه “غسان” .. وأن شعبه (الغساسنة) كانوا من الشعوب العربية التي هاجرت من اليمن إلى بلاد الشام وأعتنقوا المسيحية هناك وأقاموا علاقات طيبة مع البيزنطيين .. وإستمرت هذه العلاقة الجيدة حتى بعد قدوم الإسلام .. لقد كان الغساسنة منفتحين على الثقافة الأوروبية .. فما أشبههم بمسيحيي الشرق المعاصر ..

من ميزات هذا الإسم بأنه إسم عربي، لكنه ليس إسماً مسلماً حصراً .. مما جعله أحد الأسماء الشائعة بين مسيحيي بلاد الشام حتى يومنا هذا ..

لم أكن يوماً متعصباً دينياً .. لكن هذا الشيء جعل إندماجي في المجتمع الأمريكي أقل صعوبة .. بل إن الكثيرين من الأمريكان كانوا يستحسنون سماعه ولفظه ..

كان إسماً جميلاً .. له رنة موسيقية جميلة .. حتى بالإنكليرية ..

ومع مرور الأيام كنت أزداد فخراً وإعتزازاً به .. إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم في الحادي عشر من شهر أيلول في عام 2001 ..

بدأ الخوف يتغلغل في داخلي تدريجياً .. فأنا عربي وإسمي عربي .. ودخلت مع جميع العرب في هذه البلاد في دوامة جديدة يشوبها الشك والريبة .. وإنقلبت القوانين رأساً على عقب .. أنت الآن مذنب حتى يثبت العكس .. وبدأت الزيارات المتكررة لدائرة الهجرة والتحقيقات الدائمة التي لا تنتهي .. لا يهم إن كنت من خلفية مسيحية أو أنك طبيب .. الكل سواء ..

ولا تتخيلوا مدى صدمتي حين نظرت ذات يوم إلى التلفاز وقرأت إسم أحد المشتبهين بهم الذي كان يحمل نفس إسمي الأول (غسان) .. لقد أصابتني الدهشة .. و للحظات شعرت بخلجة في نفسي .. حتى إسمي الجميل أصبح من  الأسماء المشبوهة .. لم أعر الأمر الكثير من الأهمية في ذلك الوقت .. أنه واحد من الأسماء .. فهو ما زال من أجمل الأسماء و شبهته أقل بكثير من شبهة بعض الأسماء الآخرى ..

أذكر ذلك اليوم في أحد المؤتمرات الطبية .. كنت واقفاً في الممر العام المكتظ بالأطباء وغيرهم من الحضور .. وكان ذلك بعد أشهر من أحداث أيلول .. كنت أتحدث على الهاتف وكان صوتي مرتفعاً بعض الشيء بسبب الضجة المحيطة .. وفي وسط المكالمة شعرت بأن الزمن قد توقف وأن جميع من حولي توقفوا عن الكلام و عمّ الصمت .. لم يطل إستغرابي كثيراً فقد أدركت للتو سبب هذا الهدوء .. لقد كان إسم صديقي (أسامة) .. وكنت قد ذكرته خلال الحديث .. وحين قلت له ما حدث أسرّ لي بأن الناس من حوله ينادونه (سام) لتحاشي مثل هذه المواقف ..

ومرت الأيام والسنين .. وبعد معاناة طويلة وصلتُ إلى مفترق طريق .. فقد أصبحت الآن مؤهلاً للحصول على بطاقة الإقامة الدائمة .. لقد قيل لي بأن هذه العملية تأخذ بضعة أشهر .. لا يهم .. لقد صبرت سنوات طويلة حتى وصلت إلى هذه المحطة .. لا ضيم من بضعة شهور أخرى ..

وبدأت أخطط للمرحلة القادمة .. سأترك عملي الذي سبب لي العديد من الأزمات .. سأفرّغ وقتاً كافياً كي أتقدم لبعض الإمتحانات التي أنا بحاجة لتجاوزها .. وفوق كل هذا أنا بأمس الحاجة إلى فترة نقاهة طويلة بعيداً عن كل المنغصات، حتى أستعيد توازني الذي كدت أفقده من تكالب الدهر عليَّ ..

ومرت الأشهر .. ودخلت في عامي الثاني ولم أسمع شيئاً .. وحين إستفسرت جاءني الجواب بأن معاملتي تنتظر موافقة قسم (فحص الأسماء) في مكتب التحقيقات الإتحادي .. لم أسمع بهذا القسم من قبل .. وبدأت حملة بحث لمعرفة هذا القسم ومهامه .. وسألت من سبقني ..

بإختصار، كلما تقدم شخص بمعاملة هامة في الدولة يذهب إشعار لهذا القسم للتحقق من أن سجله نظيف .. يقوم القسم بالتأكد بأن إسم صاحب الطلب ليس عليه شبهة .. إنه يشبه ورقة (لاحكم عليه) في بلاد العرب .. عادة ما يتم الجواب على الطلب خلال أيام ..لكن طلبي تأخر كثيراً .. وإمتد لسنوات ..

حاولت التواصل مع هذا القسم عن طريق الهاتف لأعرف سبب التأخير لكنهم رفضوا إعطائي أية معاومات .. ولم يجيبوا على أية رسالة إلكترونية (إيميل) .. وحين أسأل المحامي أو موظف الهجرة، كل ما أسمعه هو (عليك الإنتظار) ..

ودخلت في حزن عميق .. وتسربت المرارة إلى نفسي .. لم أعد أستمتع بشيء .. لم يعد مشواري اليومي على شاطئ البحر يثير فيَّ البهجة .. أصبح حضوري في الجلسات الإجتماعية قليل وغير ممتع لي ..

كيف يمكن أن يعاملوني بهذا الشكل وأنا الذي قضيت عشرين سنة أعمل في مستشفياتهم وأساعد مرضاهم على الشفاء؟ .. كم من رسالة شكر وصلتني من مرضى لي ساعدتهم على تجاوز محنتهم .. هل سألوا عني في أماكن عملي أو إقامتي؟ كيف يعاملونني كإرهابي وأنا الذي أنقذت أرواح العديد من مواطنيهم؟ ..

أم كل هذا لأن إسمي عربي؟ ..

ألم يقرؤوا عن الملك غسان؟ .. هل عرفوا تاريخ الغساسنة؟ ..  كيف يمكن أن يعاملوا حاملي هذا الإسم بغير الإحترام؟ ..بل أكثر من ذلك، هل قرؤوا هذا الإسم بصوت عال؟ أنا متأكد بأنهم لو فعلوا ذلك لوقعوا بحبه كما وقعتُ أنا .. لكانت إمتلأت قلوبهم بغبطة لم يعرفوها من قبل ..

وطال الإنتظار .. دام ثلاث سنوات ونيف .. وحين جاءت الموافقة أخيراً، لم تحمل معها تفسيراً لهذا التأخير .. وكأن شيئاً لم يحصل .. بالطبع شكرت ربِّي على كل شيء وتابعت الحياة ..

لم أعد كما كنت .. لم يعد إسمي كما كان .. أصبح مصدر شؤم ..

فقد إسمي رنينه الجميل .. لم أعد أسمع صوت الغدير أو زقزقات العصافير .. ذلك الدفء في شجنه تحول إلى كرة ثلج تغرقني بالنسيان شيئاً فشيئاً ..

كم أصبحت أكره إسمي ..

***************

ملاحظة: معاني كلمة غسان حسب معجم “لسان العرب”:

1- يقال: لستَ من غَسَّانه ولا غَيْسَانِه أَي من ضَرْبِه.
2- لستَ من غَسَّانِ فلان وغَيْسانِه أَي لست من رجاله.
3- رجل غَسَانيٌّ: جميلٌ جدّاً.
4- أَبو زيد: لقد علمتُ أَنَّ ذاك من غَسَّانِ قلبك أَي من أَقصى نفسك. ويقال: كان ذلك في غَيْسانِ شبابه أَي في نَعْمَةِ شبابه وطَراءتِه. والغَيْسان: حِدَّة الشباب.
5- غَسَّانُ: اسم ماء نزل عليه قوم من الأَزْدِ (من شعوب اليمن) فنُسِبُوا إليه، ومنهم بنو جَفْنَة رَهْطُ المُلوكِ. وغَسَّانَ: ماءٌ بين رِمَعَ وزَبيدَ (في اليمن)، من نَزَلَ من الأَزْدِ فشَرِبَ منه، سُمِّيَ غَسَّانَ، ومن لم يشربْ، فَلا.
6 – غَسَّان: قبيلة من اليمن، منهم ملوك غسان.

Advertisements

21 تعليقات على “لعنة الأسماء

  1. بتبقى أبو الغس الاسم الفريد النادر والحلو متلك شخصية نادرة وغريبة ونقية…. وانشالله بترجع تسمع رنينه الجميل والدفء في شجنه….رانيا كرياكي

  2. عندما تقع في المكان والزمان غير المناسبان.. وعندما تكون الفوبيا الملبدة للعقل بالغيوم هي العقل المحكم توقع كل شيء…
    ما زال اسمك جميلا بالرغم من حكم حضارة الاربعمئة عام ومازلت غسان الطبيب, الاديب والانسان ذو الاخلاق الرفيعة .
    اياك ان تكرهه انما تمسك به

  3. President Barack Obama in his speech last night joked, “I wish if I could use my middle name.” Every one knows that his middle name is “Hussein.” Even the president of the most powerful nation on earth has a problem with his own name

    قال الرئيس باراك أوباما في خطابه الليلة الماضية مازحا: “أتمنى لو أتمكن من استخدام اسمي الأوسط”. كل واحد يعرف أن اسمه الأوسط هو “حسين”. حتى رئيس أقوى دولة على وجه الأرض لديه مشكلة مع أسمه

  4. أفهمك تماماً …..قد كنت احب اسمي كثيرا و معناه ولكن بعد العيش هنا في بلاد العم سام و التعامل مع أبناءه بدأت اكره اسمي لكثرة استغرابهم كيف لإنسان ان يسمي ولده اسم حيوان Llama ودائما أقول لام واحدة فقط ….لكن مازلت متمسكة به فاني أرى شخصيتي به….محبتي أبو الغس

  5. اسمك هو انت ويجب ان يبقى انت بشخصيتك، علمك، افكارك ، مبادئك ، ذكرياتك، حاضرك و ومستقبلك … لماذا تسمح لهم بان يسلبوا منك اعتزازك باسمك … انا لا ارى مشكلة لديك المشكلة لديهم المشكلة في عنونة المشاكل واعطاءها اسماء فليس كل اسامة شرير وليست كل تريزا هي الام تريزا … ان الخوف من الاسامي ماهو الا حالة من الجهل وعدم الامان والتدقيق على الاسم ماهو الاطريقة لايهام انفسهم انهم مسيطرون على الوضع .. ولكن في الحقيقة بينما هم مشغولون بالبحث عن غسان وجهاد ونضال من الممكن ان يدخل سمير او فادي الى امريكا حاملين معهم مشاريع تدمير وخراب.
    فيادكتور غسان خليك عم تعتز باسمك لانه اسم حلو ولاتخلي حدا يسرق منك هالفخر وتذكر دائما فيروز لما تقول : اسامينا شو تعبوا اهالينا تلقوها وشو افتكروا فينا

  6. د.غسان تأثرت كثيرا لمعاناتك بسبب الاسم “غسان”فغسان هو اسم لأكبر أبنائي،هوفي الرابعة والثلاثين من عمره،كنت أحس بالسعادة لهذا الأسم وأيضا للأسباب التي ذكرتها أنت وكانت مصدر سعادتك،وعندما يضاف إليه اسمي”عيد”ويصبح غسان عيد يعطي هذه الوسيقية في الإيقاع.اليوم مز أكثر من عام لم أر غسان فقد ارتحل في طلب الرزق وترك وراءه زوجة وطفلين في خي الأمين بعد تهجيرهم من مسكنهم بسبب الأزمة التي حلت بالجميع.وغسان إن توجه للرزق شرقا توجه الرزق غربا فكل منهما في طريق مخالف للآخر(رغم ما يتقنه من مهارات)حتى أصبح يسألني لماذا اخترت له هذا الاسم وكنت أجيبه بنفس الأسباب التي جعلتك تعجب باسمك،لكنه لا يرى منها شيئا في اسمه وكأن اسمه سبب معاناته..
    أنا تعرفت إليك من خلال ما قرأته لك، ولايجمعني بك غير روعة دمشق ومالقيته من معاناة الاسم “غسان” أحب الأسماء إلي.
    تحيتي لك على البعد وحفظك الله وحفظ كل من حمل هذا الاسم مهما كان مشربه…
    …عيد المثيلي…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s