عَتَبي عليكِ يا دمشق

منذ زمن بعيد .. أخذتُ حقائبي ورحلت ..
لم أنظر إلى الوراء .. لم أعد أبالي بكِ .. كان همي خلاصي ..
لم أكن أؤمن بأنك تتألمين .. كانت سطوتكِ أكبر من أن أشفق عليكِ ..

حين يولد المرء لا يكون له حق إختيار المكان ..
وحين يحبو ويمشي يلفه المكان كشرنقة .. فيحجب عنه الرؤيا .. وتصبح الشرنقة هي الحقيقة ..
ومع الأيام يزداد غروركِ وأزداد حزناً ..
يلفّني الظلام في كل مكان .. في بيوتكِ وأزقتكِ الضيقة .. في مدارسكِ وأماكنكِ المقدسة .. في جامعاتكِ وشوارعكِ الفسيحة ..
حيث ذهبتُ كانت شرنقتكِ تطبق على صدري كجبل مارد ..
وأنا أئِنّ وأنت لا تسمعين ..

كنت تظنين بأني سأبقى يرقة إلى آخر العمر ..
غروركِ منعكِ من الرؤيا كما منعتها شرنقتكِ عنّي ..
وفي رحم هذه الظلمة كنت أكبر يوماً بعد يوم ..
فأنا الآن فراشة كاملة تريد أن تختال بجمال أجنحتها ..
وهاأنذا أمزقك .. وأخرج إلى الهواء الطلق .. وأطير بعيداَ .. إلى أبعد نقطة في الخارطة ..
إلى حيث الحرية ..

وفجأة .. في وسط الرحلة .. أشعر بغصة حارة ..
فرغم كل عذاباتي معك فقد منحتيني الدفء والحياة ..
لولاكِ لما أصبحتُ هذه الفراشة الجميلة ..
هل يعقل أن أنسى فضائلكِ علىّ ..
كنتِ ينبوع عطاء لا ينضب ..
وأنا لم أكن ناكراً للجميل يوماً ..

وأستيقظ من غفوتي مع رجفة خفيفة ..
لا .. لم أكرهكِ يوماً .. ولن أنساكِ أبداً ..
لكن زمانكِ الرمادي أغشى عينيَّ .. وأغشى جميع العيون الحالمة ..
كان يجب أن أحلق في سماءات أخرى .. حتى أتنفس من جديد .. وأحلم ..

أنا الآن أرى الصورة جلية ..
لم أكن اليرقة الوحيدة فيكِ ..
ها هي شرانقكِ تتمزق الواحدة تلو الأخرى ..
فراشاتك تناثرت في كل الإتجاهات .. تعلن للملأ بصرخة مدوية ..
لا للشرانق .. لا للرمادي ..

سوف تستيقظين ذات يوم وتدركين حجم غيابكِ ..
وسوف تندمين وتتمنين: آه لو كبّلتُ يرقاتي بأغلال من حب ..

عتبي عليكِ يا دمشق .. وعتبي يا حبيبتي كبير ..

***
نيويورك 2012

Advertisements

One comment on “عَتَبي عليكِ يا دمشق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s