لقاء دمشق: لما التقينا بعد طول غياب

أشعر بخدر غريب .. لقد أصابت أحاسيسي البلادة .. لم أكن أتوقع هذا الشعور .. فأنا لم ألتقي بك منذ خمسة عشرة عام .. كنت أتوقع أن الشوق سيغمر مشاعري بالفرح الشديد .. لكن اللقاء كان باهتاً .. لقد عبرتُ بوابة المطار مشياً على الأقدام .. لم أكن أطير .. وجوه الناس أعادت فتور قلبي ..

ترى لماذا حدث هذا؟ .. كيف تتحول كرة النار الملتهبة إلى كومة من رماد بهذه السرعة؟ ..

ليس الخلل فيكِ يا حبيبتي .. كيف ألومك وأنت ما زلت كما أنت .. لم تتوقفي عن الغناء حتى في ساعات الألم .. لم تسكت أشعارك وإن غاب عنك الوحي ..

أنا الذي خذلتك وهربت .. أنا العاشق المازوخي الذي بحث عن لذاته حيث الألم .. فغرق في أحزانه وإستسلم لها ..

لم أشأ أن تريني على هذه الصورة .. كنت أحلم بعودة المنتصر الذي يحمل رايته البراقة .. ويا للخجل .. هذا البريق المزيف الذي أعماني وأنساني حبك الذي طالما لفّني وحمل إليّ الدفء حتى في أقسى لحظات غربتي ..

كيف أحتفل بالنصر وأنا الذي رقصت طويلاً على حطامك؟ ..

والآن بعد هذا الفتور الذي أقابلك به، تفتحين ذراعيكِ لترحبين بي .. تبحثين عن رايتي البراقة وأنا أخفيها عنك خجلاً .. كنتِ فخورة بي، لكني كنتُ مليئاً بالخزي والعار .. قلبكِ الكبير لا يعرف إلا الغفران لمن تحبيهم ..

أخذتيني بذراعيكِ وأغرقتيني بقبلاتكِ الحارة .. أمسكتِ بيدي وأخذتِ تدليني على أشيائي التي إحتفظتِ لي بها ..

“هذا هو البيت الذي ترعرعت به .. هذا هو الشارع الذي كنت تلعب فيه .. هذه هي مدرستك .. وتلك هي كليتك ..”

وتتابعي بإبتسامتكِ المعهودة ..

لكن قلبي ما زال يئن .. لم تجلب هذه الأماكن السعادة كما كنتُ أحلم .. أو كما كنتِ تتوقعين .. لكنها أفاقت فيضاً من الذكريات التي كنتُ أتمنى أن لا أصطدم بها ..

ماذا تعني الحجارة والألعاب إذا ما غابت عنها روحها؟ .. وما نفع الأزهار إذا ماتت ألوانها وروائحها الزكية؟ ..

هل يعوّض البيت ذكريات حضن دافئ؟ .. وهل يرسم الشارع صوراً لأيام صبا غابر ويحييها؟ .. هل تعيد الكتب والملفات صياغة ملحمة إغريقية تحيي الآلهات الميتات؟ .. هل يداوي الطب قلوباً مكسورة؟ ..

تنظرين إليّ بعين ملؤها العطف والحنان ..تقرئين ألمي .. تلملمي جراحي وأحزاني .. تضعين يدكِ على كتفي وتقولين لي: “تعال معي” ..

نمشي سوية يد بيد .. ندخل حديقة جميلة ملآى بالأزهار ..

لم تكن هذه الحديقة في ذاكرتي .. رأيت أزهاراً لم أرها من قبل .. تحمل كل الألوان الجميلة وتطلق أريجاً لم أكن أعلم بوجوده إلا في حكايات الأطفال .. تقودني يداكِ إلى نبع ماء عذب .. تحملين بضعاً منه بيديكِ لتسقيني .. تصيبني حالة من الذهول .. لم أذق أطيب ولا أحلى ..

فجأة، تذهب أحزاني دفعة واحدة .. أخذتُ بالرقص .. لم تكن رقصتي كما أحب .. لا أذكر يوماً أني رقصت بين الأزهار والينابيع .. وأن حصل ذلك فلا بد أنه قد حصل في زمن بعيد .. في زمن منسيّ ..

لقد أحيت هذه الحديقة بوجوهها الباسمة الأمل في قلبي .. أعادت الروح إلى الحجارة المنسية، والصبا والشباب إلى زوايا البيوت المسنّة ..

وتأخذين بيدي من جديد .. وتخرجين بي إلى شوارعك المهيبة .. وتطلقيني حراً .. ألهو وأركض وأمرح .. أقطف اللحظات الجميلة هنا وهناك ..

أقسم أني وُلِدتُ من جديد .. وأقسم أنكِ يا حبيبتي قادرة على صنع المعجزات .. لقد أحييتِ الآلهات الميتات ..

***
نيويورك: 2009

Advertisements

7 تعليقات على “لقاء دمشق: لما التقينا بعد طول غياب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s