الحنين إلى دمشق

ها هي السيارة تقترب .. تمخر الهواء بسرعة جنونية .. إنها تدرك بفطرتها أن عاشقاً بداخلها يحلم بلقاء المدينة .. الواحة النائمة عند طرف الصحراء .. تكبر و تنمو رغم اليباس المحيط و المتغلغل .. هذه المرة طال الغياب كثيراً .. ترى هل تغيرت المدينة؟ ..

مع إقتراب السيارة تزداد دقات القلب .. يصل دويها إلى العنق .. أيتها المدينة ما السر فيكِ .. يجعل فراقك لوعة و ذكراك ألم دفين؟ ..

ها هي أخيراً تلوح في الأفق البعيد .. تبزغ كشعاع فجر .. ترسم حدود الأرض و تعلن نفسها بوابة للسماء ..

تدخل السيارة في المدينة .. يبدأ الزحام و الضجيج .. لا .. لم تتغير المدينة .. ما زالت الحياة تنبض بقوة .. هدير المحركات و الأبواق يملأ الدنيا .. وجوه البشر يعتصرها الكفاح من أجل العيش .. و يتكرر السؤال .. ما السر فيكِ؟ ..

هل هو التاريخ .. نصبك رمزاً أبدياً في وجه الدمار و إجتياح الكثبان؟ ..

هل هي الحضارة .. رسمت أوراق الزهرة .. فكانت المدينة القديمة مبيضاً ينشر المدنية في أرجاء الصحراء؟ ..

هل هي الحياة .. تنثر الحكايا في زوايا البيوت و تطلق أناسها كتلاً ملتهبة من العواطف و الأحاسيس؟ ..

أذكر ذلك اليوم .. في باص للنقل الداخلي (باص مدحت باشا) .. كان الوقت مساء ..

حين صعدت إلى الباص لم يكن همي إلا العثور على مقعد بجوار النافذة الكبيرة .. لقد إعتدت أن أطل على المدينة من خلال هذه النافذة .. و لإنشغالي بذلك لم ألاحظ أي شيء في الباص إلا عندما جلست في مكاني المفضل .. لقد إنتبهت بأن السائق قد زين الباص بأشرطة و ستائر مختلفة الأشكال و الألوان .. و أكثر من ذلك فقد وضع العديد من الأضواء الخافتة و الملونة بالأزرق و الأخضر و الأحمر .. يبدو أنه سائق مزاجي و يعشق الرومانس ..

لقد شعرت بنشوة غريبة و أنا أطل من النافذة على الطرقات المضاءة بالألوان الصفراء و البرتقالية .. و الممتلئة بالسيارات و الناس و الحركة التي لا تنتهي ..

و مما زاد الطين بلة صوت أم كلثوم القادم من مسجلة الباص يصدح:

“ذكريات حبي و حبك مانسهاش .. هي أيامي اللي قلبي فيها عاش”

شعرت للحظة بأني فوق بساط سحري يطير بي في عالم ساحر غريب لم أعرفه من قبل ..

و فجاة يدخل الباص في الشارع المستقيم (شارع مدحت باشا) تحت السقف الحديدي .. الذي يحكى أن القديس بولس كان قد مشى فيه ذات يوم .. و من النافذة العريضة تطل روائح الزعتر و البهارات .. و تصبح المحلات الصغيرة المكتظة بالبضائع قريبة إلى درجة أنك تسمع النساء تساومن الباعة .. و يعلو الصراخ .. و يحلف الباعة بكل المقدسات أن بضاعتهم هي الأجود و أنهم لا يربحون إلا القليل .. لكن ليس عند النساء من أذن صاغية إلا لعدد القروش في حقائبهن ..

و يتابع الباص مسيرته غير مبال بكل ما يدور حوله من خناقات و مشاحنات بين التجار أنفسهم أو بين الزبائن و الباعة .. و تتابع أم كلثوم أيضاً غير مبالية بجمال المدينة القديمة و سحرها .. لكنها تضفي على هذا السحر معناً آخراً حين يصدح صوتها مجدداً:

“كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله .. سنين بحالها ما فات جمالها على حب قبله”

و فجأة .. كما دخل الباص في المدينة القديمة يخرج منها عبر إحدى بواباتها العريقة (باب شرقي) إلى طرقات عريضة و مضاءة بألوان برتقالية رائعة .. و يطل دوار المطار بجمال حديقته و إطلالة جدار المدينة القديم الصامد في وجه الزمان .. إنه الإنتقال اللحظي الذي إختصر مئات بل آلاف السنين .. الإنتقال الذي أراق المشاعرحتى الخواء .. و إنتهت اللحظة إلى جرح جديد في الذاكرة .. و عند النزول من الباص ترن كلمات أم كلثوم الأخيرة في أذني:

“دا مستحيل قلبي يميل .. و يحب يوم غيرك أبداً”

جرح الذاكرة يتفتح من جديد في كل يوم .. يعلن إستسلامه أمام الفاتحين الجدد .. يصرخ:

أعيديني أيتها المدينة طفلاً يلعب في الرمال بحثاً عن فراشاته الملونة و بضع حكايات وردية ..

أعيديني صبياً يلهو بالأوراق و يرسم أحلاماً تعجز الأيام دونها ..

أعيدي إليّ أشيائي و مدرستي ..

أعيدي أحاسيسي البدائية و أولى النبضات ..

إجمعي أشلائي المتناثرة و إنقشيني صورة أبدية على جدرانك القديمة ..

و سمّيني من جديد ..

***
لويل – ماساتشوسيتس: 1989

Advertisements

4 تعليقات على “الحنين إلى دمشق

  1. الكلام حلو كتير ورومانسي ورجعني لايام زمان

    على فكرة وانا كمان لما كنت بالجامعة وارجع بالليل كنت استمتع بالباص اللي بيحط ام كلثوم مع الاضواء يعني الوصف تبعك رجعني لايام زمان وعشت نفس الحالة بس مش باص مدحت باشا

    حلوة ابو الغس بحسدك انك بتقدر تعبر لانو انا من الناس اللي ما بقدر عبر عن مشاعري ورايي وافكاري

    رانيا

  2. هلق هو “الورد جميل” و “والنرجس مال يمين وشمال ” و “شوفوا الياسمين جميل نعسان حلي له النوم على الأغصان”
    بس “لما تسألني أقول لك كان زمان”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s